أونوماطولوجياميثولوجيا

«آكوش» وأسماء أخرى لله بالأمازيغية

مبارك بلقاسم
مبارك بلقاسم

ذكر المؤرخ الأندلسي أبو عبيد البكري، الذي عاش في القرن 11 الميلادي، في كتابه المسمى “كتاب المسالك والممالك” أن سكان مملكة برغواطة (المعاصرين له) كانوا يسمون “الله” بالكلمة الأمازيغية: “ياكش” (ياكوش) Yakuc. ويقول البكري أنه نقل معلوماته حول برغواطة عن السفير البرغواطي لدى قرطبة آنذاك واسمه زمّور أبو صالح.

أما في مخطوطات الإباضيين الأمازيغية في ليبيا وتونس والجزائر (مثل “كتاب البربرية” لليفرني و”الطبقات” للدرجيني ومخطوطات أخرى) التي تعود إلى قرون مضت فقد تم استعمال الكلمات الأربع “يوش” Yuc و”أيوش” Ayuc و”أكوش” Akuc و”ياكوش” Yakuc كأسماء أمازيغية تعادل اسم “الله” في العربية.

1) ⵢⴰⴽⵓⵛ Yakuc (ياكوش) هو “الله” في الديانة البرغواطية التوحيدية:

بعد نجاح الأمازيغ في هزيمة وطرد الاحتلال الأموي بالقوة العسكرية عام 741 ميلادي خلال “ثورة البربر الكبرى”، تأسست مملكة برغواطة الأمازيغية في منطقة تامسنا Tamesna بالمغرب عام 742م. وحكمت دولة برغواطة منطقة سهول الغرب المغربية والساحل الأطلسي. وذكر ابن خلدون أن مملكة برغواطة امتدت على الساحل من مدينة سلا Sla مرورا بمدينة أنفى (أنفا) Anfa ومدينة أزمّور Azemmur إلى مدينة أسفي Asfi.

تأسست مملكة برغواطة عام 742م وسقطت حوالي عام 1058م (أو 1059م) على يد المرابطين، أي أنها استمرت لأزيد من 300 عام كدولة أمازيغية مغربية مستقلة. ورغم تدمير المرابطين لمملكة برغواطة عام 1058م بقي للبرغواطيين بعض التأثير والتواجد الديني والثقافي والسياسي في بعض المناطق لمدة قرن ونصف إضافي، إلى غاية عصر الإمبراطورية الموحدية. أما الدولة الإدريسية الشيعية فقد تأسست عام 789م، أي متأخرة بنصف قرن عن دولة برغواطة. واستمرت دولة برغواطة أيضا بعد سقوط الدولة الإدريسية. وسقطت الدولة الإدريسية الشيعية حوالي عام 974م على يد قبائل وإمارات أمازيغية خوارجية أهمها المغراويون الزناتيون الخوارج الذين حكموا فاس وشمال المغرب وغرب الجزائر لحوالي 100 عام وأسسوا مدينة وجدة، إلى غاية غزو المرابطين الصنهاجيين السنيين مدينة فاس عام 1070م ثم مدن وجدة والنكور وگرسيف ومليلية وتلمسان عام 1081م.

أورد المؤرخ أبو عبيد البكري في حديثه عن الديانة البرغواطية التوحيدية بعض العبارات الأمازيغية التي كان سكان مملكة برغواطة يصلون بها صلاتهم، على الشكل التالي:

A bism n Yakuc (أ بسم ن ياكوش) = يا بسم الله.

(أو: A isem n Yakuc (أ يسم ن ياكوش) = يا اسم الله).

meqqer Yakuc (مقّر ياكوش) = الكبير الله (كبير هو الله).

ijjen Yakuc (إيجّن ياكوش) = الواحد الله (واحد هو الله).

Urd am Yakuc (ورد ام ياكوش) = لا أحد مثل الله / لا شيء مثل الله.

وفيما يلي نقرأ جزءا صغيرا من الرواية التاريخية التي رواها أبو عبيد البكري حول مملكة البرغواطيين وديانتهم في “كتاب المسالك والممالك”:

“.. وبعض صلواتهم إيماء بلا سجود وبعضها على كيفية صلاة المسلمين. وهم يسجدون ثلاث سجدات متصلة ويرفعون جباههم وأيديهم عن الأرض مقدار نصف شبر، وإحرامهم أن يضع إحدى يديه على الأخرى ويقول: “ابسمن ياكُش”، تفسيره بسم الله، “مقّر ياكش”، تفسيره الكبير الله، ويضعون أيديهم مبسوطة على الأرض طول ما يتشهدون ويقرأون نصف قرآنهم في وقوفهم ونصفه في ركوعهم، ويقولون في تسليمهم بالبربرية: الله فوقنا لم يغب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ثم يقول “مقّر ياكش” خمسا وعشرين مرة، “إيجن ياكش” مثل ذلك ومعناه: الواحد الله، “وردام ياكش” مثل ذلك ومعناه: لا أحد مثل الله ..”(1)

2) الله يكلم موسى بلسان البربر قبل كل الألسنة الأخرى:

نجد في “كتاب التاريخ” للفقيه الأندلسي السني المالكي عبد الملك بن حبيب السلمي (الذي توفي عام 853م/238هـ) هذه الرواية:

“.. وروى ابن عبد الحكم عن بكر بن مضر عن أبي عجلان قال: كلم الله تبارك وتعالى موسى بالألسنة كلها. فكان أول ما كلمه الله بلسان البربر فقال له: “أنا ياكن مقار”، يريد [يقصد]: أنا الله أكبر ..”**

إذن نلاحظ في هذه الرواية وجود الكلمتين الأمازيغيتين: “ياكش” Yakuc (الذي كتبها الناسخون خطأ: “ياكن”) وكلمة “مقّار” Meqqar التي تعني “كبير” أو “عظيم”. وكلمة Meqqar هي صيغة مخففة (أو زناتية) للكلمة الأمازيغية المعروفة حاليا وهي Ameqqar (أمقّار) وتعني: “العظيم، الكبير”. والتطابق واضح جدا مع العبارة البرغواطية “مقّر ياكش” Meqqer Yakuc (الكبير الله) التي ذكرها المؤرخ الأندلسي أبوعبيد البكري، كما رأينا منذ قليل. فالكاتبان الأندلسيان اللذان يفصل بينهما قرنان من الزمن ذكرا نفس العبارة الأمازيغية وذكرا ترجمتها إلى العربية بشكل شبه متطابق لغويا ومتطابق دلاليا. وهذا يؤكد لنا بما لا يدع مجالا للشك انتشار هذه العبارة بنفس المعنى لدى الناطقين بالأمازيغية في عصرهما، وبالتالي يؤكد لنا استخدام كلمة “ياكوش” Yakuc لدى الأمازيغ بمعنى “الله” في ذلك العصر، سواء تعلق الأمر بالأمازيغ المعتنقين للديانة الإسلامية أو بالأمازيغ المعتنقين للديانة البرغواطية وبقية الديانات التي كانت منتشرة آنذاك بالعالم الأمازيغي والأندلس.

3) ذكر “باكش” (ياكش Yakuc) في كتاب “البيان المغرب” لابن عذاري المراكشي:

في الكتاب التاريخي المشهور المسمى “البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب” للمؤرخ ابن عذاري المراكشي نجد ذكرا لكلمة “باكش” كاسم لـ”الله” لدى البرغواطيين. والواضح أن الأمر يتعلق بخطإ نسخي شائع في العربية تتسبب فيه النقط عادة. فكتب ربما بعض الناسخين اللاحقين “باكش” (بحرف الباء) بدل الكلمة الصحيحة “ياكش” Yakuc (بحرف الياء). المؤرخ ابن عذاري المراكشي ولد في الأندلس وعاش في مراكش. وتمتد فترة حياته بين النصف الثاني من القرن 13 الميلادي والنصف الأول من القرن 14 الميلادي.

في كتاب “البيان المغرب” تحت باب “خبر برغواطة” أورد ابن عذاري المراكشي معلومات عن دولة برغواطة وديانتهم وتاريخهم نذكر منها المقتطف التالي المتعلق بالدين البرغواطي واسم “الله” بالأمازيغية:

“.. فأما الضلال الذي شرع لهم فأنهم يقرون بنبوة صالح بن طريف وأن الكلام الذي ألف لهم هو وحي من الله تعالى لا يشكون فيه، تعالى الله عن قولهم. وفرض لهم صوم رجب وأكل رمضان، وخمس صلوات في اليوم وكذلك في الليلة، والضحية اليوم الحادي عشر من المحرم، وفي الوضوء غسل السرة والخاصرتين، ثم الاستنجاء والمضمضة، وغسل الوجه، ومسح القفا، وغسل الذراعين والمنكبين، ومسح الرأس ثلاث مرات، ومسح الأذنين كذلك، ثم غسل الرجلين من الركبتين. وبعض صلاتهم دون سجود، وبعضها على كيفية صلاة المسلمين. وهم يسجدون ثلاث سجدات متصلات، ويرفعون وجوههم وأيديهم من الأرض مقدار نصف شبر. ويقرءون نصف قرآنهم في وقوفهم ونصفها في ركوعهم. ويقولون في تسليمهم بكلامهم: “الله فوقنا لم يغب عنه شيء في الأرض ولا في السماء”. ثم يقولون “مقر باكش” [مقّر ياكش] خمسا وعشرين مرة، وتفسيره “الكبير الله”. ويقولون “ايسمن باكش” [أ يسم ن ياكش] تفسيره “بسم الله”، وغير هذا. ويتزوج الرجل منهم ما استطاع من النساء ويطلق ويراجع ما أحب. ويقتل السارق بالإقرار والبينة. ويرجم الزاني. وينفى الكاذب، ويسمونه المغير. والدية عندهم مائة رأس من البقر. ورأس كل حيوان عليهم حرام. ولا يأكل الحوت عندهم إلا أن يذكى. والديك والبيض عندهم حرام. والدجاج مكروهة إلا أن يضطر إليها. وليس عندهم أذان ولا إقامة، وهم يكتفون في معرفة الأوقات بصراخ الديكة ولذلك حرموها. ويتبركون ببصاقه أي بصاق صالح. وكانوا أعلم الناس بالنجوم. وكانوا أجمل الناس رجالا ونساء. وقرآنهم الذي وضع لهم صالح ثمانون سورة، أكثرها منسوبة إلى أسماء النبيئين، أولها سورة أيوب وآخرها سورة يونس وغيرها من أسماء الأنبياء -عم- وفيها سورة فرعون، وسورة الديك، وسورة الجراد، وسورة الجمل، وسورة هاروت وماروت، وسورة الحَشَر، وسورة غرائب الدنيا وفيها علم عظيم عندهم ..”(3)

4) Yuc (يوش) وAyuc (أيوش) وAkuc (أكوش) وAbabay هو “الله” لدى المسلمين الإباضيين:

لدى المسلمين من المذهب الإباضي الموجود لحد الآن في بعض المناطق في ليبيا وتونس والجزائر يوجد تراكم تاريخي مهم من الأدبيات الدينية بالأمازيغية سواء في شكل مخطوطات أمازيغية قديمة أو في شكل أناشيد وقصائد دينية أمازيغية مدونة. وفي مخطوط “كتاب البربرية” الأمازيغي الإباضي الذي يعود تأليف نصوصه إلى ما بين 700 إلى 1000 سنة مضت استعمل الإباضيون هذه الكلمات الأمازيغية للدلالة على الله:

Yuc (يوش) = الله.

Ayuc (أيوش) = الله.

Ababay (أباباي) = الله / الرب / الإله / الإله الأب.

Bab enneɣ (باب انّغ) = ربنا / سيدنا / مالِكنا / مولانا.

وتم استخدام الكلمة Akuc (أكوش) كتنويع للكلمة Yakuc (ياكوش) الأكثر تواترا في المخطوطات القديمة. ونجد استخدام كلمة “أكش” Akuc في إحدى مخطوطات “كتاب سير الأئمة وأخبارهم”، تأليف: أبو زكريا الورجلاني.

– المرجع: La Chronique d’Abu Zakariyya al-Wargalani. Traduction: Roger Le Tourneau. REVUE AFRICAINE, 1960, p: 99-176

وبجانب أسماء “الله” الأمازيغية، نجد أيضا في المخطوطات الأمازيغية الإباضية الثلاثة: “كتاب البربرية” و”مخطوطات زواغة Zouagha” وفي قاموس أمازيغي عربي صغير لشرح مصطلحات “كتاب البربرية” ألفه فقيه اسمه مسعود بن الحاج صالح في عام 1794 (نجد في ذلك كله) عددا كبيرا من المصطلحات الدينية والدنيوية الأمازيغية القديمة جدا ومنها مثلا:

Aykuzen (أيكوزن) = الإسلام (الدين الإسلامي).

iser (إيسر) = النبي. (صيغته الإعرابية: wiser).

isaren (إيسارن) = الأنبياء.

anǧlusen (أندجلوسن) = الملائكة.

idaymunen = الشياطين.

izufranen = العفرية (الجن، العفاريت).

taǧerzawt (تادجرزاوت) = التوبة.

amerkidu = الأجر / الثواب.

timirt = الوقت / الزمن.

Tamaziɣt = اللغة الأمازيغية.

Taserɣint (تاسرغينت) = اللغة العربية.

– المرجع 1: Vocabulaire berbère ancien. Dialecte du Djebel Nefoussa. A. Bossoutrot. REVUE TUNISIENNE, n: 25, 1900, p: 489. (قاموس أمازيغي عربي صغير ألفه مسعود بن الحاج صالح).

– المرجع 2: Le manuscrit arabo-berbère de Zouagha. Découvert par M. Rebillet. Notices sommaire et extraits par A. de C. Motylinski. Actes du 14ème Congrès International des Orientalistes, Paris, 1905

– المرجع 3: “كتاب سير الأئمة وأخبارهم”، تأليف: أبو زكريا الورجلاني (عاش في القرن 11 الميلادي)، تحقيق: إسماعيل العربي، الجزائر، 1979.

– المرجع 4: Le nom berbère de Dieu chez les Abadhites, Adolphe de Calassanti Motylinski, REVUE AFRICAINE, 1905, p: 141-148

وفي القاموس الأمازيغي المزابي – الفرنسي Dictionnaire mozabite français (واسمه بالأمازيغية: Aǧraw n Yiwalen Tumẓabt t Tfransist) وألفه اللساني الفرنسي Jean Delheure، وصدر عام 1984، نجد في الصفحتين رقم 243 و244 منه أن كلمة Yuc (يوش) وكلمة Ayuc (أيوش) معروفتان لدى المزابيين في الجزائر ومعناهما: “الله”. ونجد في ذلك القاموس هذه العبارة الأمازيغية المزابية المأثورة:

Ayuc yeqqar: eggʷedet-i teggʷedem i wasi wa yi-yeggʷid

أيوش يقّار: اگُّدت-ي تگُّدم ي واسي وا يي-يگّويد.

ومعناها: “الله يقول: اِخْشَوني واخْشَوا ذلك الذي لا يخشاني”.

5) “من قال أن ياكوش ليس هو الله كمن قال أن الله ليس هو الله”:

من المثير للاهتمام أن اسم “الله” بالأمازيغية (Yakuc وAkuc وYuc وAyuc) كان موضوعا للنقاش الفقهي في الأوساط الإباضية منذ قرون. وطريقة نقاشهم آنذاك للموضوع تبدو عقلانية وتلقائية لا تشوبها عقدة العار والرغبة في الانسلاخ من الأمازيغية والتبرؤ منها أو معاداتها واحتقارها.

وقد وصلت إلينا بعض المخطوطات الدينية الإباضية التي تم فيها تسجيل بعض المناقشات الدينية الإباضية حول مسألة كلمة Yakuc وAkuc وAyuc وYuc. والمدهش أنه لم يكن لدى الفقهاء الإباضيين القدامى أي مشكل في استعمال الاسم الأمازيغي Yakuc وAkuc وAyuc وYuc بدل اسم “الله” العربي، بل واعتبر أحد الفقهاء الإباضيين أن “من وَحَّدَ فقال أيُش Ayuc بالبربرية فأتم الجملة فهو موحِّد”.

لدينا مثلا كتاب “طبقات المشائخ بالمغرب” للفقيه الإباضي “أبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني”، والاسم المختصر للكتاب هو “الطبقات” واسم المؤلِّف المختصر هو “الدرجيني” وتوفي في حوالي عام 1271 ميلادي (670 هجري). وفي كتاب “الطبقات” هذا يورد الدرجيني سؤالا تم طرحه على مشايخ الإباضية في مدينة ورگـلة / وارجلان Wareglan الجزائرية حول موضوع Yakuc يقول:

“… وذكر عيسى بن أحمد أن أبا عبد الرحمن الكرثي كتب إلى جماعة الشيوخ بـ”وارجلان” كتابا يسألهم سؤال مسترشد قال: […] سؤال: ما الحكم فيمن قال أن الله ليس بِـيَكُش؟

جواب [الفقيه الإباضي: أبي عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي]: إن كان بربريا أو ممن يعرف اللسان البربري فهو كمن قال: “إن الله ليس بإله”، ومن قال ذلك فهو مشرك”.

وفي مخطوطة أخرى أوردها الباحث Adolphe de Calassanti Motylinski جاءت العبارة هكذا: “من قال أن الله ليس بأيش [Ayuc] كمن قال ليس بالله”.

المصدر 1: “طبقات المشائخ بالمغرب – الجزء الأول”. باب “الطبقة الثانية عشر”. ص: 488 – 489. المؤلف: الدرجيني، المتوفى في 670هـ/1271م. تحقيق الكتاب: إبراهيم طلاي. 1974. مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر.

المصدر 2: Le nom berbère de Dieu chez les Abadhites, Adolphe de Calassanti Motylinski, REVUE AFRICAINE, 1905, p: 141-148

إذن فكما رأينا، فإن ذلك الفقيه الإباضي يرى أن Yakuc = الله. أي أن الكلمتين تدلان على شيء واحد. وبالتالي فحسب العقيدة الإسلامية الإباضية: من أنكر Yakuc (ياكوش) هو كمن أنكر “اللهَ” ومن آمن بـ Yakuc (ياكوش) هو كمن آمن بـ”الله”.

وهذا القياس البسيط يطبقه المسلمون حاليا مع أسماء “الله” في اللغات الأوروبية، حيث يعبر المسلمون بالكلمات الأوروبية (مثل God وDieu وDios) عن “الله” حينما يتكلمون حول الإسلام باللغات الأوروبية، أو حينما يترجمون القرآن وغيره من الكتب الإسلامية إلى اللغات الأوروبية. ونفس الشيء يفعله المسيحيون حينما يترجمون الإنجيل إلى العربية مثلا، حيث يستعملون كلمة “الله” العربية في ترجماتهم للإنجيل وليس الكلمة الأوروبية الحديثة أو الإغريقية أو العبرية أو الآرامية.

ويمكننا أن نقارن وجود الصيغ الأمازيغية الأربع Yakuc وAkuc وYuc وAyuc مع وجود صيغ اسم “الله” في اللغات الجرمانية: God (الإنجليزية والهولندية)، Gott (الألمانية)، Gud (الدنماركية والسويدية والنرويجية)، Guð (الأيسلندية).

وأيضا لدينا أسماء “الله” في اللغات الرومانية اللاتينية: Deus (اللاتينية)، Dios (الإسبانية)، Dio (الإيطالية)، Dieu (الفرنسية)، Déu (الكاتالانية)، Diu (الكورسيكية).

6) ذِكر “يوش” Yuc في “كتاب المعلقات في أخبار وروايات أهل الدعوة” الإباضي:

ينتشر المذهب الإسلامي الإباضي حاليا في منطقة المزاب الجزائرية (غرداية Taɣerdayt) وجزيرة جربة Ǧerba أو Djerba التونسية ومنطقة نفوسا / إنفوسن Infusen في شمال غرب ليبيا. وهذه بقايا من تاريخ الدولة الرستمية الإباضية/الخوارجية الأمازيغية (وعاصمتها تاهرت Tahert) والتي حكمت جزءا كبيرا من الجزائر وتونس وليبيا بين 767م و909م. وفي سلطنة عمان تعتبر الإباضية حاليا مذهب الأغلبية.

وقد أثرت كتابات الأمازيغ الإباضيين قديما في بلاد عُمان رغم البعد الجغرافي، حيث تعتبر كتابات الإباضيين الأمازيغ القدامى مرجعية لدى فقهاء عُمان إلى  حد الآن. ومن بين المخطوطات الإباضية القديمة التي ألفها أمازيغ ووصلت إلى بلاد عُمان هناك كتاب قديم اسمه “كتاب المعلقات” تعود إحدى نسخه المخطوطة إلى عام 1566م (974هـ) في مدينة وارجلان Wareglan الجزائرية، ونسخها نساخ اسمه داود بن أيوب الوارجلاني. وطبعت وزارة الثقافة والتراث العمانية هذا الكتاب عام 2009 تحت عنوان “كتاب المعلقات في أخبار وروايات أهل الدعوة”.

وفي هذا الكتاب القديم تم ذكر كلمة “يوش” مرتين، في الصفحة 197 في جملتين هكذا:

اطسغشك اش تملا ان يوش [اخسغ اش تاملّا ان يوش].

Exseɣ ac tamella en Yuc

ومعناها: ” أريدُ لكَ رحمة الله”. (أتمنى لكَ رحمة الله).

يرغود يوش Yerɣud Yuc = الحمد لله. (حرفيا: “تبارك الله” أو “الله يبارك”).

ومازالت كلمتا “يرغود” Yerɣud و”تاملّا” Tamella وبقية كلمات الجملتين معروفة لحد الآن في الأمازيغية، مما يجعل لغة تلك المخطوطات القديمة تتطابق لغويا ومعجميا مع أمازيغية العصر الحالي رغم شدة قدم تاريخها. وفي “المعجم العربي الأمازيغي” الصادر في 1990 لمحمد شفيق نجد ما يلي:

Tamella = الرحمة.

Tamellawt = الرحمة.

Tirruɣda (تيرّوغدا) = البَرَكة.

Yesserɣed (يسّرغد) = بارَكَ.

Yesserɣuda (يسّرغودا) = بارَكَ.

Yerɣuda (يرغودا) = تَبارَكَ.

7) Babat-na n ujenna (أبونا السماوي) في أمازيغية ورگـلة الجزائرية:

نجد في القاموس الأمازيغي الورگـلي – الفرنسي Dictionnaire ouargli français (واسمه بالأمازيغية: Agerraw n iwalen Teggargrent – Taṛumit) وألفه اللساني الفرنسي Jean Delheure، وصدر عام 1987، أنه في أمازيغية ورگـلة الزناتية الجزائرية يستعمل الناس كلمة Babat-na n ujenna بمعنى “الله”. ومعناها الحرفي هو: “أبونا السماوي” أو “أبونا الذي في السماء”.

ونجد أيضا في ذلك القاموس الورگلي عبارة Ajellid Ameqqṛan (أجلّيد امقّران) التي تعني لديهم اصطلاحا: “الله”. وحرفيا تعني: “المَلِك الكبير” أو “المَلِك الأكبر”.

8) استعمال Yuc (يوش) في نشيد الاستسقاء بالأمازيغية:

ذكر الباحث Adolphe de Calassanti Motylinski أن أطفالا ناطقين بالأمازيغية في منطقة المزاب الجزائرية يستعملون كلمة Yuc (يوش)، التي تعني “الله”، في نشيد للاستسقاء على الشكل التالي:

Uc aneɣ-d, a Yuc, aman wanẓer

أوش انغ – د، أ يوش، أمان وانزر

ومعناها: “أعطِنا، يا الله، ماءَ المطر”.

المرجع: Le nom berbère de Dieu chez les Abadhites, Adolphe de Calassanti Motylinski, REVUE AFRICAINE, 1905, p: 141-148

9) Mess ineɣ (مسّ ينغ) أو Mass ineɣ (ماسّ ينغ) هو “الله” لدى الطوارق:

مازال الطوارق لحد الآن في جنوب الجزائر وشمال مالي وشمال النيجر يستخدمون الكلمة الأمازيغية Mess ineɣ (مسّ ينغ) أو Mass ineɣ (ماسّ ينغ) للدلالة على “الله”. والمعنى الحرفي لهذه الكلمة هو “سيدنا/ربنا/مولانا”. وهذه الكلمة مستخدمة حاليا بكثافة وعلى نطاق واسع جدا على المستوى الشعبي من طرف كل الناطقين بالأمازيغية الطوارقية في جنوب الجزائر وشمال مالي والنيجر.

(المرجع: Dictionnaire touareg français. القاموس الطوارقي الفرنسي. Alqamus Tamajeq Tafransist. المؤلف: Karl-G. Prasse. عام 2003. جامعة كوبنهاغن. الدانمارك.)

10) Maziɣ (مازيغ) هو “الله / الرب” لدى سكان منطقة گورارة Tigurarin الجزائرية:  

في واحات Tigurarin في جنوب غرب الجزائر (وتسمى أيضا گورارة Gourara) في ولاية Adrar الجزائرية توجد مجموعة سكانية قديمة ناطقة بالأمازيغية الزناتية، وتوجد لديها أناشيد دينية جماعية بالأمازيغية تعود إلى قرون وربما يعود بعضها إلى تاريخ ما قبل الإسلام. وتسمى تلك الأناشيد الأمازيغية الزناتية بـ Ahellil وصنفتها منظمة UNESCO كتراث شفوي إنساني عالمي. وتشتمل تلك الأناشيد على إنشاد الشعر الأمازيغي الديني مع الموسيقى والرقص الجماعي. وفي بعض هذه الأناشيد يتم استعمال كلمة Maziɣ (مازيغ) وكلمة Amaziɣ (أمازيغ) للدلالة على “الله” أو “الرب”.

ونجد مثلا هذه الأجزاء من الأناشيد الأمازيغية الزناتية الگورارية:

Lleh lɛafu ay Amaziɣ inu

لّه لعافو أي امازيغ ينو

معناها: “الله العفو يا ربي”.

Tiddukla ad izdukel Maziɣ

تيدّوكلا اد يزدوكل مازيغ

معناها: “العزة يُعِزُّ (بها) اللهُ (فقط)”.

Wa fella-k ixfi-c daɣ a Maziɣ

وا فلّاك يخفي-ش داغ آ مازيغ

معناها: “لا يخفى عنك شيء يا رب”.

Sidi Musa yeẓro Maziɣ

سيدي موسا يزْرو مازيغ

معناها: “سيدي موسى رأى اللهَ”.

(المصدر: L’ahellil du Gourara. مولود معمري Mouloud Mammeri. باريس. 1984).

11) Yakuc و Akuc و Yuc و Ayuc صيغ مختلفة لنفس الكلمة الأمازيغية:

يتضح من المخطوطات أن الصيغة Yuc وAyuc (بالحرف Y) خاصة بالنصف الشرقي من العالم الأمازيغي (أي ليبيا وتونس وأقصى شرق الجزائر)، أما الصيغة Yakuc وAkuc (بالحرف K) فهي خاصة بأمازيغية النصف الغربي من العالم الأمازيغي والأندلس الواقعة تحت تأثيره. إلا أننا نجد الصيغة Yakuc وAkuc مذكورة أحيانا في بعض مخطوطات الشرق الأمازيغي أيضا (ليبيا وتونس ومنطقة وارجلان Wareglan الجزائرية الشرقية). ولكن في كل الأحوال لا نعرف ما هي الصيغة الأصلية أو الأقرب إلى الأصل من الصيغ الأربع، لذلك تعتبر كلها مترادفات متساوية بما أنها كلها استخدمت من طرف الأمازيغ القدامى كأسماء اصطلاحية لـ”الله / الإله الواحد”.

ونجد في اللغة الأمازيغية الحالية أمثلة عديدة لكلمات مترادفة يظهر فيها الحرف Y كبديل للحرف K أو العكس، حسب لهجات اللغة الأمازيغية. وأحيانا نجد في نفس اللهجة الأمازيغية الصيغتين معا بـK وبـY. ولدينا مثلا في الأمازيغية الحديثة هذه الكلمات:

Aysum = Aksum = اللحم.

Seysu = Seksu = Kseksu = الكسكس.

Tayerza = Takerza = Tacerza = الفِلاحة / الحرث.

Tanaya = Tanaka = Tanaca = الركوب.

Tanuyi = Tanuki = Tanuci = الركوب.

Tafuyt = Tafukt = Tafuct = الشمس.

Tifuyin = Tifukin = الشموس.

Tayessa = Takessa = الرعي (رعي الغنم).

Netta yeksi = Netta yeysi = هو أخَذَ / هو حَمَلَ.

Ksi = Ysi = خُذْ! / اِحمِلْ!

isey = tikessit = الحَمل / الأخذ / التأبط.

(المرجع: المعجم العربي الأمازيغي. محمد شفيق).

وفي المخطوط الأمازيغي القديم “كتاب البربرية”، نجد أيضا نفس ظاهرة التبادلية بين K وY:

Amekkasu = الوارث.

Tiyusawin = الإرث / المواريث.

yekset = (هو) وَرِثَ.

ttemyesten = (هم) يتوارثون.

(المرجع: Some grammatical features of Ancient Eastern Berber. للباحث الإيطالي: Vermondo Brugnatelli. منشور في Milano. عام 2011.)

12) خلاصة عامة:

إذن فحسب المصادر التاريخية المذكورة أعلاه، فإن اسم “الله / الإله الواحد” في اللغة الأمازيغية قديما هو:

– Yakuc (ياكوش)

– Akuc (أكوش)

– Yuc (يوش)

– Ayuc (أيوش)

ومن شبه المؤكد أن هذه الأسماء تعود إلى فترة سابقة للإسلام بوقت طويل. والصيغتان Yakuc وYuc هما الأكثر تواترا ووجودا في المصادر التاريخية والمخطوطات متبوعتين بالصيغة Ayuc ثم الصيغة Akuc. ومازالت كلمة Yuc (يوش) معروفة لحد الآن في منطقة المزاب (غرداية Taɣerdayt) الجزائرية لدى الإباضيين بمعنى: “الله”.

وبالإضافة إلى ذلك نجد في مخطوط “كتاب البربرية” كلمة Ababay الأمازيغية القديمة التي تعني: “الله / الإله / الإله الأب”. كما أن الطوارق في جنوب الجزائر وشمال مالي والنيجر مازالوا يستعملون حاليا كلمة Mess ineɣ (مسّ ينغ) أو Mass ineɣ (ماسّ ينغ) ومعناها “ربنا/مولانا”، وهي الاسم المتداول شعبيا لديهم لـ”الله”. أما الكلمة Maziɣ أو Amaziɣ فتطورت في منطقة Tigurarin من معانيها الأصلية الشعبية وهي “الحر، النبيل، السيد، الشريف، الأبي” إلى اسم للإله الواحد المتصف عادة بهذه الصفات في الأديان التوحيدية.

من شبه المؤكد أن الصيغ الأمازيغية الأربع Yakuc وAkuc وYuc وAyuc لاسم “الله / الإله الواحد” هي صيغ لنفس الكلمة الأمازيغية انتشرت عبر التاريخ على مساحة جغرافية ضخمة تمتد من مناطق البرغواطيين على الساحل الأطلسي المغربي إلى أعماق جبال نفوسا في ليبيا أو أبعد. ويترسخ هذا بوجود هذه الصيغ في النصوص التاريخية والمخطوطات الدينية الأمازيغية بشكل متواتر عبر قرون منفصلة في أمكنة منفصلة وكتبها مؤرخون وفقهاء منفصلون زمنيا ومكانيا.

فالبرغواطيون الذين استخدموا كلمة Yakuc في ديانتهم في ما بين القرنين 8 و11 الميلاديين منفصلون بقرون من الزمن ومسافات جغرافية شاسعة واختلافات عقائدية دينية جذرية عن المسلمين الإباضيين في عمق ليبيا وتونس والجزائر الذين استخدموا Yuc وAyuc وYakuc وAkuc. والشيء المشترك بين هؤلاء الإباضيين وأولئك البرغواطيين المتباعدين زمنيا ومكانيا وعقائديا ودينيا هو اللغة الأمازيغية التي اخترقت فعلا الأزمنة والأمكنة والعقائد والأديان.

(1)”كتاب المسالك والممالك”، باب: “ذكر ممالك برغواطة وملوكهم”. للمؤرخ: أبو عبيد البكري.

(2)كتاب التاريخ”، للمؤلف: عبد الملك بن حبيب السلمي الأندلسي، باب “حديث موسى بن عمران”، الصفحة 62، طبعة “المكتبة العصرية”، لبنان، 2008

(3)”البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب”، باب “خبر برغواطة”. طبعة دار الثقافة، بيروت، لبنان، 1983، الطبعة الثالثة. للمؤلف: ابن عذاري المراكشي، المتوفى في القرن 14 الميلادي

باسم عابدي

مهتم بالتاريخ بصفة عامة، أطلقت "المكتبة الرقمية الأمازيغية" سنة 2013، وهي مخصصة لتاريخ وثقافة الأمازيغ. وساهمت سنة 2015 في تأسيس "البوابة الثقافية الشاوية"، المعروفة بـ إينوميدن.
زر الذهاب إلى الأعلى