أقلام حرّةتاريخ

جذور العنف في الدولة المغربية أو المغاربة في مواجهة نمط الإستبداد الشرقي

“مهما يكن رأي المؤرخ الإسلامي، فإن علمه، أي سرده للأحداث، يبرر في النهاية الوضع الناتج عنها” عبد الله العروي.

 

تطرح مسألة إعادة قراءة تاريخ المغرب، القديم و المعاصر، نفسها اليوم بإلحاح، ليس فقط لأن هناك من تضرر من “المونتاج” التاريخي الرسمي المليء باليقينيات الهشة، بل لأن الإتجاه نحو المستقبل متوقف على مقدار وعي المغاربة بذواتهم الحضارية من جهة، و من جهة أخرى لأن الإنتقال نحو الديمقراطية و تجاوز آليات النسق الإستبدادي، يبدأ من تصحيح التاريخ الذي استعمل بشكل سافر من أجل تكريس الوضعية الحالية و الإبقاء عليها باعتبارها الوضعية الطبيعية الوحيدة الممكنة، و طبعا لا بد لعملية مثل هذه من أن تلقى الكثير من المقاومة من مراكز النفوذ التي استفادت حتى الآن من تحريف التاريخ، و هو ما يفسر ردود الأفعال الشرسة التي تواجه بها القراءات النقدية للتاريخ الرسمي من طرف حراس التقليد .

لقد ورث المغرب عن المرحلة الكولونيالية إرثا ثقيلا ما فتئ يتعثر به حتى الآن، إرث الدولة المزدوجة التي تحمل في آن عوامل النهوض و التطور و عوامل النكوص و التراجع و الجمود، دولة تطبعها السكيزوفرينيا على شتى المستويات، من نمط الحكم و السلوك السياسي إلى المؤسسات و المجالات التربوية و الإعلامية و منظومة القيم، و هو أمر ساهم بشكل كبير في عرقلة عملية التحديث و الدمقرطة المطلوبة منذ الإستقلال، و يعود بالأساس إلى إبقاء الحماية على النظم المخزنية التقليدية على حالها، و إقامة أجهزة الدولة العصرية بجوارها، الشيء الذي جعل هذه الأخيرة تظل مجرد مظاهر خارجية للجوهر التقليدي الثابت و المترسخ .

و قد استعملت السلطة لتكريس طابعها التقليدي في السياق الحديث، العديد من الآليات الإيديولوجية التي كان من أهمها إشاعة رواية رسمية للتاريخ تقوم على أسطورتين ساهمتا بشكل كبير في شرعنة الإستبداد، و هما أسطورة “الإنتشار السلمي للإسلام” بالمغرب، و أسطورة “وحدة العرش و الشعب”، و تلتقي الأسطورتان عند هدف واضح هو إخفاء الطابع التسلطي للحكم الذي رافق دخول الإسلام إلى المغرب، و الذي استمر في الحفاظ على هويته القمعية باستعمال الدين، و التعمية على التاريخ الطويل للصراع بين المغاربة و الحكم المركزي الذي انبنى منذ بداية المرحلة الإسلامية من تاريخ المغرب على النموذج المشرقي للدولة الدينية الشمولية. و سنحاول في هذه المقالة تناول هاتين الأسطورتين بالقراءة النقدية اعتمادا على النصوص التاريخية المتوفرة .

الإنتشار “السلمي” للإسلام بالمغرب

ثمة تناقض صارخ في الأدبيات الإسلامية المتعلقة بانتشار الإسلام عبر العالم ، بين تبرير الدعوة إلى الجهاد من أجل “إعلاء كلمة الله”، و سرد التفاصيل المتعلقة بحروب النبي و صحابته من بعده ثم العرب الأمويين من أجل الغزو بهدف نشر الدين الإسلامي لدى الأقوام التي هي على ديانات أخرى، و بين القول إن الإسلام لم ينتشر بالعنف و لا بالسيف بل بالدعوة السلمية، و أنه دين التسامح و الحوار.

سنعرض أولا لأهم ما جاء في نصوص المؤرخين القدامى بهذا الصدد، ثم ننظر في الكيفية التي قام بها الخطاب الرسمي و منظرو الدولة المركزية الحديثة بالمغرب بتأويل تلك النصوص، و توظيفها، و أهدافهم من وراء ذلك.

من المعلوم أن أول قائد عسكري للجيوش العربية التي دخلت منطقة المغرب الكبير و المغرب الأقصى بصفة خاصة هو عقبة بن نافع الفهري، و قد بعث من قبل أحد خلفاء الأمويين الذين أقاموا دولتهم على العصبية القبلية العربية، و على سياسة التوسع من أجل استجلاب الثروة عبر الغزو و السبي، و هي سياسة كان قد اختطها الخليفة عمر بن الخطاب من أجل صرف العرب عن الإقتتال فيما بينهم داخل الجزيرة و درءا لردة القبائل التي رفضت دفع الزكاة لقريش بعد وفاة النبي أيام حكم أبي بكر، و قد جاء في البيان المغرب لابن عذاري المراكشي في وصف دخول عقبة إلى المغارب ما يلي ( و هي أخبار تكررت لدى الرقيق القيرواني و غيره ) :”فخرج غازيا للروم و البربر و هم إذ ذاك مجوس و نصارى، و ذلك بمدينتي بجاية و قرطاجنة و ما والاهما فهزمهم و قتلهم تقتيلا و أخذ المسلمون من سبيهم و خيلهم شيئا كثيرا” . ثم يضيف في تقدم عقبة و جيوشه قائلا:”وغزوته أيضا إلى طنجة و ذلك أنه لما توالت الهزائم على نصارى إفريقية و بربرها و كثر القتل فيهم حتى كاد يستأصلهم لجأ من بقي منهم إلى الحصون و المعاقل” ، ثم يضيف:”فترك أهل إفريقية متحصنين بحصونهم و أوغل في الغرب يقتل و يأسر أمة بعد أمة، و طائفة بعد طائفة حتى وصل بأحواز طنجة” ، و هناك طلب عقبة معلومات استراتيجية من حاكم طنجة “يوليان” حول المغرب الأقصى و الأندلس، و قد شاءت الإيديولوجيا العربية أن يكون تبرير غزو “البربر” بالمغرب على الشكل التالي في جواب يوليان:”قد تركت الروم وراء ظهرك و ما أمامك إلا البربر(يقصد سكان المغرب الأقصى) و هم مثل البهائم لم يدخلوا في دين نصرانية و لا غيرها و هم يأكلون الجيف و يأكلون مواشيهم و يشربون دماءها من أعناقها، فقد كفروا بالله العظيم فلا يعرفونه و معظمهم المصادمة” .

و إذا كانت هذه هي الصورة التي تخيل بها المؤرخ العربي سكان المغرب آنذاك بعد قرون من الوقائع الأولى للغزو العربي، فإن صورة عقبة قد تخيلها على الشكل التالي:”قال الجيش لعقبة نحن نخاف من السباع و الحيات و غير ذلك، فدعا الله سبحانه و أصحابه يؤمنون على دعائه و مضى إلى السبخة و واديها و نادى: أيتها الحيات و السباع، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فارحلوا عنا فإنا نازلون، فنظر الناس بعد ذلك إلى أمر معجب من أنّ السباع تخرج من الشعرى و هي تحمل أشبالها سمعا و طاعة” .

و يضيف المؤرخ بأنّ غزو عقبة للمغرب الأقصى قد تمّ بنفس الشكل:” و غزوته أيضا للبربر بالسوس الأدنى و هي بلاد تامسنا و بلاد المصامدة فهزمهم و أفناهم و بث الخيل في بلادهم فافترقت في طلبهم إلى كل موضع هربوا إليه لا يدفعهم أحد(…) و غزوته أيضا للسوس الأقصى فاجتمع به البربر في أمم كثيرة لا تحصى و لا تكاثر بالحصى فقتلهم قتالا ما سمع أهل المغرب بمثله حتى هزمهم و قتل منهم خلقا عظيما و أصاب منهم نساء لم ير الناس في الدنيا مثلهنّ” .

و لم ترد صورة عقبة على هذا النحو من العنف فحسب، بل صوره المؤرخون كشخص غاية في القسوة في التعامل حتى مع الذين استسلموا دون حرب أو مواجهة عسكرية، حيث يعاملهم بعنصرية ظاهرة تصل حدّ التحقير و الإهانة و التعذيب الجسدي: و هي خصائص لن تزول بذهاب عقبة، بل ستترسخ لتصبح نهجا سياسيا في التعامل مع الخصوم السياسيين من بعده، و قد أورد ابن عبد الحكم في كتابه “فتوح إفريقية و الأندلس” بهذا الصدد ما يلي:”فخلف عقبة بن نافع جيشه هناك، ثم سار بنفسه و من خف معه أربعمائة فارس و أربعمائة بعير، حتى قدم ودان فافتتحها و أخذ ملكهم و جذع أذنه فقال لم فعلت بي هذا و قد عاهدتني ؟ فقال عقبة فعلت هذا بك أدبا لك إذا مسست أذنك ذكرته فلم تحارب العرب. و استخرج منهم ثلاثمائة رأس و ستين رأسا ثم سألهم عقبة هل من ورائكم أحد فقيل له جرمة و هي مدينة فزان العظمى فسار إليها ثماني ليال من ودان و لما دنا منها أرسل فدعاهم إلى الإسلام فأجابوا فنزل منها على ستة أميال و خرج ملكهم يريد عقبة و أرسل عقبة خيلا فحالت بين ملكهم و بين موكبه فأمشوه راجلا حتى أتى عقبة و قد لغب و كان ناعما فجعل يبصق الدم فقال لعقبة لم فعلت هذا بي و قد أتيتك طائعا ؟ فقال عقبة أدبا لك إذا ذكرته لم تحارب العرب و فرض عليه ثلاثمائة عبد و ستين عبدا و وجه عقبة الرجل من يومه ذلك إلى المشرق. و مضى أمامه إلى قصور كوار فافتتحها حتى انتهى إلى أقصاها و فيه ملكها فقطع أصبعه فقال لم فعلت بي هذا ؟ قال أدبا لك إذا نظرت إلى أصبعك لم تحارب العرب و فرض عليه ثلاثمائة عبد و ستين عبدا” .

هكذا أورد المؤرخون القدامى أخبار “الفاتح “الأول للمغرب، و قد أتبعها بأخبار “الفاتحين” الذين جاؤوا بعده و عاودوا “الفتح” بنفس الطريقة، لأن غزوات عقبة سرعان ما انتهت بمقتله على يد القائد الأمازيغي “أكسل”(النمر) المدعو في النصوص العربية “كسيلة”، و الذي سيصبح حاكما للقيروان خمس سنوات بعد ذلك و يعود كل شيء سيرته الأولى في إفريقية و المغرب الأقصى مما احتاج معه العرب الأمويون إلى غزو ثان و ثالث مع قادة عسكريين آخرين عرفوا بالبطش و القتل و السبي و تفننوا في ذلك إرضاء للخليفة الأموي بالمشرق، و لم تكن روح الغزو دينية بل كانت عصبية عرقية كما يدلّ على ذلك قول الخليفة هشام بن عبد الملك بعد أن بلغته هزائم الجيوش العربية في شمال إفريقيا: “و الله لأغضبنّ لهم غضبة عربية و لأبعثنّ لهم جيشا أوله عندهم و آخره عندي” .

و يقول أحد المؤرخين في شرح هذا السلوك موضحا ما عرف بظاهرة (تخميس البربر) : “كانت مقاومة الأمازيغ الشديدة و كثرة انتفاضاتهم التي سببت للعرب العديد من الهزائم سببا في جعل القواد العرب يعتبرون الأمازيغ من قاوم منهم أو من نزل على الصلح دون مقاومة، غنيمة يأخذ بيت المال منها الخمس من أرض و نعم و أموال، و هذا الإعتبار أدى إلى ضخامة ما يرد بيت المال من خمس إفريقيا حتى شاع لدى المشارقة أن هذا البلد أغنى بلاد الأرض طرا” . و يضيف قائلا ” كان على الولاة الذين تلو الأمراء الفاتحين أن يجمعوا ما أمكن من الأموال لكي يحتفظوا بمراكزهم و أن لا يظهروا بمظهر المقصّرين أمام الخلفاء الأمويين، و هذا ما جعلهم يلجؤون إلى كثير من العسف و الظلم في جمعها” .

و يفسر هذا غضب الخلفاء في مرحلة نهاية الدولة الأموية و بداية الدولة العباسية كلما أخبرهم أحد ولاتهم على المغرب بأن الناس قد صاروا مسلمين و لم يعد هناك مجال لقهرهم بالإسترقاق و استجلاب الغنائم، فيكتبون إليه يتوعدونه بسوء المصير.

بل إن الغزاة المشهورين الذين مكنوا الخلفاء من الكثير من الثروات و الرقيق لم يسلموا بدورهم من الإنتقام بسبب اعتقاد الخلفاء بوجود غنائم أكثر أخفاها هؤلاء عنهم، و ذلك مثل ما حدث لموسى بن نصير مع الخليفة سليمان بن عبد الملك حيث “عذب و أغرم الأموال التي تقدرها بعض الروايات بمائتي ألف دينار” .

و أورد دوزي عن تلك المرحلة بأن والي الأندلس من قبل الأمويين قد “مثل بالمغاربة الذين كانوا يفدون كثيرا إلى إسبانيا و أنزل بهم أشد العقوبات لما أخفوا بين أيديهم من كنوز الأموال و طرحهم في غيابات السجون ترهقهم الديدان و القمل مصفدين بأغلال الحديد، و جعل يعذبهم بضرب السياط و يشاد في الإساءة إليهم و محاسبتهم، و يتولاهم بأشد العقوبات” .

فكيف نظر التاريخ الرسمي إلى هذه المرحلة من تاريخ المغرب؟ لقد اعتمد في المقررات الدراسية بدرجة كبيرة على قراءة زعماء “الحركة الوطنية”، التي عملت منذ سنة 1930 على انتقاء عناصر التاريخ الرسمي للدولة المركزية القادمة بعد الإستقلال، فالتركيز على عروبة الدولة و على مركزية العنصر العربي و تفوقه، و على دونية “البربر” باعتبارهم سكان البوادي المتصفين بالغلظة و الجهل، و كذا على النسب الشريف للحكام منذ إدريس بن عبد الله، جعلت كل أشكال العنف التي رافقت دخول الإسلام إلى المغرب ممارسات شرعية و مقبولة، بل جعلت المقاومة الأمازيغية للغزو العربي تبدو انحرافا و ضلالا استوجبت إلصاق صور سلبية برموز تلك المقاومة كالملكة ديهيا الملقبة في التاريخ العربي بـ”الكاهنة”، و ككسيلة وغيرهم.

و يلاحظ بأن خطاب الوطنيين بهذا الصدد يتسم بتناقض ظاهر، مبعثه أن قراءتهم للأحداث لا ترمي إلى إثبات الحقيقة التاريخية، بل إلى توظيفها في سياق إيديولوجي و سياسي يخدم الأهداف الراهنة للسلطة ، فحينما يقتضي هذا السياق إثبات أبوة العرب في المجال الحضاري المغربي و حكمهم السياسي، يتمّ التركيز على بطولات “الفاتحين” العرب، و بلائهم الحسن، أي بلغة عصرنا على المذابح و أشكال التقتيل التي مورست على شعوب شمال إفريقيا، و تبرير ذلك بأنه الـ”الفتح الإسلامي الخالد”. و حينما يتطلب السياق إثبات فرضية “استعراب البربر” و انخراطهم في المنظومة العربية الإسلامية و تخليهم ـ حسب ما يرى هؤلاء “الوطنيين” ـ عن أية هوية أصلية تمثل خصوصيتهم، فإنهم يعمدون إلى أطروحة الإنتشار السلمي للإسلام، و “استقبال العرب بالترحاب”، و “دخول البربر في الإسلام أفواجا”. إنها صورة ذهنية للماضي يتمّ إسقاطها على الحاضر لأهداف سياسية تنتهي دائما إلى تكريس الإستبداد و شرعنة عنف الدولة.

و إذا كان أبو بكر القادري و علال الفاسي يمثلان نظرية استقبال العرب بالأحضان، فإن عبد الله كنون يمثل النظرية الأولى، و لهذا كتب في “النبوغ المغربي في الأدب العربي” يقول:” إن المغاربة الذين كانوا قد اعتادوا حياة الفوضى، و ألفوا التمرد و العصيان بعد أن تمكن منهم العرب و كسروا شوكتهم، أصبحوا مقتنعين بعدم إجداء المقاومة عنهم و ذهاب كل مجهوداتهم في الدفاع سدى، لما رأوه من شدة مراس العرب للحروب و طول مغالبتهم لأعدائهم، فلم يسعهم و الحالة هذه إلا الإذعان لسطوتهم و تسليم مقاليد الأمور إليهم، فساسوهم بالحكمة و الإنصاف و أخذوهم بالعدل و المساواة حتى أووا إلى ظلّ الطاعة” .

و جدير بالملاحظة أن القارئ للنصوص العربية لتاريخ المغرب، يفاجأ بأن النعوت التي ينعت بها الأمازيغ لم تتغير، إذ ظلّ ينعت بها الأمازيغ المسلمون مثلما نعت بها أجدادهم قبل الإسلام، فإذا كان “كسيلة ” قد سمي عند ابن عذاري “كسيلة اللعين”، فإن ميسرة المدغري و هو أمازيغي مسلم ثار على الولاة العرب المستبدين قد نعت بدوره بـ”ميسرة الحقير”، مما يدلّ على أن الولاء للعرب و لقيمهم و ثقافتهم السياسية أسبق عند المؤرخ العربي من الولاء للإسلام، كما يبدو بأن عقلية الإستبداد الشرقي لا تقبل “العجمي” إلا وهو تحت الوصاية.

و من بين المظاهر الفاضحة لتحريف التاريخ من أجل تكريس نموذج الإستبداد الشرقي، التشطيب بجرة قلم على دولة برغواطة و التركيز بخلاف ذلك على الدول السنية التي اقتدت بنموذج الخلافة الشرقية كالأدارسة و المرابطين و الموحدين و غيرهم، كما تمت شرعنة كل أشكال العنف و التقتيل التي موvست عليهم على مدى قرون طويلة إلى أن تمت إبادتهم، و يقول المؤرخون إن برغواطة هو “أخلاط أجناس متنوعة من البربر” وحّد بينهم الشعور الوطني بالإنتماء المشترك إلى المجال الجغرافي و الهوية الثقافية المشتركة، مما جعلهم يؤسسون مملكة على أرض تامسنا في أوائل القرن الثاني الهجري ما بين شالة (الرباط) و أسفي و مراكش إذا اعتمدنا رواية ابن خلدون، و قد استمرت هذه المملكة لأزيد من أربعة قرون حيث حاربها الأدارسة و الفاطميون و الامويون بالاندلس وأضعفها المرابطون و قضى عليها الموحدون بعد معارك رهيبة، و ذلك لكونها تأسست على مذهب ديني شكل إيديولوجيا مستقلة عن الإسلام السني أو الشيعي أو الخارجي و إن كانت خليطا من هذا كله و من اليهودية أيضا، و وضعوا كتابا دينيا خاصا بهم بالأمازيغية، و جعلوا من هذه الاخيرة لغة رسمية لدولتهم و كان سفراؤهم يتحدثون بترجمان، و قد ركز المؤرخون القدامى من أهل السنة على مهاجمة برغواطة التي اعتبروها تحريفا خطيرا للعقيدة الرسمية لدولة الخلافة في المشرق و الأندلس، فاعتبروا لذلك كل الحروب التي تمت ضدّ برغواطة حروبا مقدسة و جهادا ضدّ “المجوس”. و قد ذهب الدكتور محمد الطالبي إلى أنّ دولة برغواطة مثلت تجربة تاريخية فريدة من حيث كونها تعبيرا عن إيديولوجيا وطنية أمازيغية مستقلة عن المنظومة العربية – السياسية و الثقافية ـ القائمة على المذهب الديني السنّي، لكنه أوضح بأنّ سبب هذه النزعة الإستقلالية لدى “بربر برغواطة” هو:”سياسة إذلال البربر و سياسة الغصب و سياسة الميز العنصري التي عرفت منعطفا جائرا و مثيرا بكيفية خاصّة منذ تعيين عبد الله بن الحبحاب على القيروان، و تعيين عمر بن عبد الله المرادي على طنجة” .

 

“وحدة العرش و الشعب”

لم تنته حروب الأمازيغ ضد الخلافة الأموية و في مواجهة الأطماع العربية إلا بعد أن أقام الأمازيغ دولهم و إماراتهم الخاصة بأنفسهم، لكنهم قاموا بذلك اعتمادا على نفس الآلية التي يستعملها عرب الخلافة، و التي هي استعمال الدين الإسلامي في الدعوة السياسية و إقامة الدولة (باستثناء نموذج برغواطة المشار إليه) فرسخت بذلك العديد من الثوابت السياسية و الممارسات التي ارتبطت بنموذج الحكم المشرقي الذي مثلته الخلافة الأموية، و التي من أخطرها العنف الدموي من أجل دوام الملك و استمراره، و استبداد الفرد الحاكم بالسلطة دون غيره، و ميله إلى البطش الشديد و الإنتقام، و اعتماده سياسة النهب و السلب و اغتصاب الممتلكات من أجل إرهاب الرعية و إخضاعها، و هي خصائص تتنافى كليا مع أسلوب الأمازيغ في تدبير شؤونهم عبر التسيير الجماعي المحلي، فها هم الموحدون بعد قرون طويلة من “الفتوحات” الدموية التي عرفها القرن الأول، يجسدون هذا المنحى خير تجسيد، حيث جرى حكامهم على نفوذ مطلق في الحكم، مما أثمر الإستبداد و الظلم و سوء التصرف، و ذلك لأن النموذج الذي جاء به مؤسس الدولة و منظرها الروحي ابن تومرت من الشرق لم يكن يسمح بغير ذلك، و رغم أنه حاول وضع مؤسسات للشورى مقتبسة من التنظيم الأمازيغي القبلي الذي وجده قائما في بلده الأصلي بسوس، و ذلك مثل مجلس العشرة، و مجلس الخمسين و مجلس السبعين، إلا أنه كما لاحظ ذلك أحد الباحثين “لم يكن يكسبها الدور الحقيقي الذي ينبغي أن تقوم به، و لم يضعها في موضع الفعالية و التأثير، بل كان يمارس إلى جانبها نوعا من النفوذ المطلق، مما يجعلنا نغلب الظن أنه لم يؤسسها عن وعي عميق بالشورى، بل لأغراض سياسية محدودة” .

و يفسر هذا مقدار العنف الكبير الذي طبع دولة الموحدين، و التي انتهت إلى تدمير الأسس السوسيوثقافية للديمقراطية المحلية للقبائل الأمازيغية تدميرا كبيرا، عبر حملات ما عرف بـ”التمييز” و “الإعتراف” التي كانت عبارة عن مذابح مرعبة . و قد ظهر التصادم واضحا بين ثقافة الأمازيغ العقلانية و المتسامحة، و بين ما جاء يحمله ابن تومرت من المشرق عن أستاذه الغزالي الذي كان قد فتح باب الإرهاب الديني على مصراعيه مع “المدارس النظامية” بالمشرق، التي أشاعت فكرا شموليا قوامه النفور من العمل العقلي و إغلاق باب الإجتهاد و التشدّد في الدين أو السقوط بين أحضان التصوف الروحاني. و يحكي لنا أبو بكر بن علي الصنهاجي المعروف بالبيدق، و كذا عباس بن ابراهيم المراكشي في كتابه “الإعلام بمن حلّ بمراكش و أغمات من الأعلام”، رحلة ابن تومرت من دخوله وجدة إلى أكرسيف عبر فاس و مكناس حتى بلوغه مراكش ثم أغمات و جبال الأطلس الكبير، و هي رحلة كلها عنف و خشونة ضد ثقافة سكان المغرب الأمازيغ، فقد رفض المبيت عند أهل كرسيف لأنهم و هم في عرس قرروا إقامة حفل راقص على عادتهم، و ذلك بعد أن نهاهم عن ذلك فأبوا، كما صعد منبر مسجد فاس يعظ الناس بدون استئذان أحد و يغلظ القول للجميع حاكميهن و محكومين، ثم تعرض للضرب و الجرح من طرف شبان بضاحية مكناس بعد أن ضربهم بعصاه عندما وجدهم جالسين مع الفتيات في حديث و سمر و غناء و إنشاد للأشعار، و هي الظاهرة المعروفة في الثقافة الأمازيغة باسم “تاقرفيت”، و اعتبرت عند الموحدين “فجورا” و “كفرا”، فأقاموا دولة عسكرية على أساس الرقابة اليومية لسلوك الناس، إلى درجة أنهم وضعوا قوانين غاية في القسوة كمثل قتل من ضبط يتجول في وقت الصلاة، أو قتل من ضبط يشرب الخمر، حيث جاء في كتاب التذكار لابن غلبون أن عبد المومن الموحدي كان”يعظم أمر الدين و يقويه، و يلزم الناس في سائر بلاده بالصلوات، و من رؤي في وقت الصلاة غير مصل قتل” .

و يبين هذا أن مقدار العنف الذي اعتمده الموحدون في بسط نفوذهم إنما كان بسبب بعد نموذج الدولة و النسق السياسي العام الذي جاء به ابن تومرت من الشرق، عن الثقافة المغربية التي كان المرابطون أكثر انسجاما معها، و هو ما أوجب اتهامهم من قبل الموحدين بـ”الفجور” و “الخضوع للهوى” و “الكفر و التجسيم” و “ارتكاب المناكر” .

و قد كان من نتائج هذا الوضع الذي كرس اعتماد الدين في ترسيخ الإستبداد السياسي و عنف الدولة، أن أصبح تاريخ المغرب للمرحلة الإسلامية تاريخ صراع بين القبائل و الحكم المركزي “للمخزن”، بين قيم التشاور و الأعراف العقلانية و المروءة، و قيم الإستبداد و البطش و النهب وفق النموذج الشرقي، و أصبحت ثقافة المقاومة المغربية موجهة إلى حكام العواصم بعد أن كانت مقاومة للأجنبي المحتل على مر القرون الماقبل إسلامية.

هذا الواقع المتوتر الذي يعطي صورة عن تاريخ مليء بالدم و الثورات و الحروب الطاحنة، التي لم يكن يضع حدا لها مؤقتا إلا التهديدات الأجنبية، هو الذي أصبح في عقيدة السلطة بعد الإستقلال “وحدة بين العرش و الشعب” أساسها النسب الشريف و الطاعة و الولاء، و هي أسطورة تعمل في نفس الوقت على إخفاء تاريخ الصراع بين ثقافتين، و تعمل من جهة أخرى على شرعنة السلطة القائمة على العنف و الغلبة.

أحمد عصيد  
مقال نُشر أول مرة على موقع الحوار المتمدّن 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى