الملك ماسْنّسَنْ (ماسينيسا) والحضارة النوميدية

صورة قلمية (بورتريه) للآڨـلّيذ ماسْنّسَنْ (ماسينيسا) (238 – 148 ق.م.) (Massnnsen ou Massinissa) :

 من العائلة الملكية الماسيلية (Dynastie Massyle) لا نعرف متى تأسست مملكة “الماسيل” ولا متى انقسم إينوميدن (النوميد) إلى “ماسيل” في الشرق و”ماسيسيل” في الغرب وكل ما نعرفه هو ما ورد في المصادر الاغريقية واللاتينية التي أشارت عرَضيا إلى المملكة في سياق حديثها عن تفاصيل التاريخ الروماني والصراع بين قرطاج وروما.

 لعل من الممكن قراءة اسم “ماسينيسا” الذي نقش في النصب الليبية هكذا msnsn م س ن س ن / “ماسّ نْ سَنْ” (ماسْنّسَنْ) : سيّدهم ؟ ، هو ابن الملك “ڨايا” من العائلة الملكية الماسيلية.

كانت منجزاته في المجال الاجتماعي والسياسي عظيمة على غرار أعماله العسكرية ، فقد وحّد شعبه وحثّه على الاستقرار، وأقام دولة نوميدية قوية وأصدر عملة وطنية وأقرّ النظام وأنشأ أسطولا يضمن حسن العلاقات التجارية بين مملكته وباقي بلدان البحر المتوسط.

 كان “ماسْنّسَنْ” محاربا مقداما، شجّع الآداب والفنون وأرسل أبناءه إلى بلاد الإغريق للتعلم، واستقدم إلي بلاطه عددا من الكتاب والفنانين الأجانب كان رجلا شجاعا احتفظ إلى آخر سنين حياته بالصلابة والصرامة، يمكن أن يبقى على صهوة جواده يوماً كاملا كأي واحد من جنده متحملا كل أشكال العناء، كان في الثامنة والثمانين من عمره عندما قاد معركة ضدّ أشفاط قرطاج وفي الغداة وجده “سيبيون الإيميلي” واقفا أمام خيمته يأكل كسرة خبز هي كل وجبته !

لكنه يعرف كيف يعيش حياة الملوك في الوقت المناسب، حيث يرتدي أفخر الملابس ويضع التاج على رأسه ويقيم المآدب في قصره بـ “سيرتا” أين تنصب الموائد وعليها أوانٍ ذهبية وفضية، في حفل بهيج يعزف فيه الفنانون الإغريق ألحانهم.

  حارب “ماسْنّسَنْ” أشفاط قرطاج (Les suffètes de Carthage) الذين غدروا به بعد رجوعه من “إيبريا” حيث كان على رأس جيشه إلى جانبهم في حربهم ضدّ روما فقد أيدوا الانقلاب عليه وإبعاده عن العرش وأكثر من ذلك عقدوا حلفا مع “سيفاكس/صيفاقس” ضدّه وجرّدوه من مملكته وأسروا والدته التي دفع فيما بعد فدية لتحريرها.

 مع هذا لم يزدر “ماسْنّسَنْ” الحضارة القرطاجية بل عرف كيف يستفيد منها على اعتبار أنها حضارة أفريقية، وكانت “البونية” لغة مشتركة في عاصمته حيث كانت لغات أخرى فضلا عن “الليبية” (الأمازيغية) متداوَلة كـ “اللاتينية” و”الإغريقية”.

كان يحب الأطفال، وكان يعيش وسط أبنائه وأحفاده، وفي حديثه إلى تاجر إغريقي قدم إلى مملكته لشراء قردة للترفيه على الأثرياء قال له الملك : أليست لديكم نساء ينجبن أطفالا !!

عمّت شهرته كل بلاد البحر المتوسط، وعلى الخصوص بلاد الإغريق : جزيرة ديلوس التي أقامت له ثلاثة تماثيل، وفي آخر أيام حكمه كان يطمح إلى جعْل قرطاج عاصمة لأفريقيا الموحّدة لكن الرومان رأوا فيه خطرا يمكن أن ينقلب عليهم، فهذا كاتون (Caton) يلفت انتباه مجلس الشيوخ الروماني إلى الخطر الذي يمثله “ماسْنّسَنْ” بعبارته الشهيرة : “فلتدمّر قرطاج delenda Karthago” ، توفي “ماسْنّسَنْ” قبل سقوط قرطاج ولم يشهد سقوطها، فأقام له رعاياه الذين أحبوه قبرا فخما (معلم الصومعة قرب لخروب) غير بعيد عن عاصمته “سيرتا” وضريحا في “ثوقة” (دوقة الحالية في تونس) .

 الحياة الاقتصادية:

 تقوم أساسا على الفلاحة، وتكون قد ظهرت احتمالا منذ نهاية عصور ما قبل التاريخ، دلت على ذلك أدوات وكذلك آثار تعكس وجود نظام للزراعة وللسقي الزراعي (آثار تازبنت (Tazbent) جنوب غربي مدينة “تيفَسْثْ” (تبسة)). الزراعة النوميدية قديمة جدّا ، لا تدين بشيء في أدواتها ومفرداتها وبذورها للفينيقيين الذين كانوا في إتصال مع السكان الأصليين، ويبدو أنّ الاقتصاد الزراعي كان مختلطا يتكون من زراعة محاصيل مختلفة ومن تربة الأغنام والأبقار.

 ومع هذا وجدت حياة حضرية نوميدية حقيقية، في عصر مملكتي الماسيل والماسيسيل، يتضح ذلك في علاقاتها الخارجية وفي تجارتها، وأهم المدن الداخلية المعروفة : تيفَسْثْ (تبسة) Théveste ، كالمة (ڨالمة) Calama، ماداوروس (امداوروش) Madauros، ثاڨورا (طاورة) Thagura سيڨا (قرب تموشّنت) Siga، تضاف إليها العاصمة “سيرتا” (قسنطينة) Cirta .

 أما المدن الساحلية فهي : هيبو ريجيوس (Hippo regius) (عنابة) وروسيكاد (Rusicade) (سكيكدة)، وصلدا (Saldae) (بجاية)، وايكوسيوم (Icosium) (الجزائر) ، وڨونوڨو (Gunugu) بالقرب من ڨورايا (شرشال). هذه المدن إما مستقلة ذاتيا أو أنّها كانت تدار تحت سلطة الملوك ، وإلى جانب العاصمة سيرتا هناك مدن يقيم بها الملوك مثل “هيبو ريجيوس” وأخرى تشكل مقرا لدائرة جبائية مثل “سيرتا” و”ڨالمة”، وقد أدّى التطور الاقتصادي في المملكة النوميدية إلى تداول كبير للعملة.

بلغ الاقتصاد النقدي أوجّه في عهد “ماسْنّسَنْ” والملك “مآسيبسا” (مكيبسا)، يدل على ذلك الإصدارات العديدة في عهديهما ، ويبدو أن المدن كذلك كانت لها عملتها الخاصة وهو مؤشر على تنامي دور المدن في اقتصاد وإدارة المملكة النوميدية، وكانت مدن “سيرتا” و”هيبو” و”صلدا” نموذجا للمدن التي أصدرت عملتها الخاصّة.

الحبوب هي الإنتاج الزراعي الأساسي وأقدم محصول زراعي هو القمح وخاصة القمح الصلب الذي يأتي في الدرجة الأولى وكانت زراعته تمارَس في كلّ أنحاء البلاد، إلى جانب محاصيل أخرى كالشعير والحبوب الثانوية مثل السورغو، كما تمثل الزراعة الشجرية جزءا من النشاط الفلاحي، وتتمثل على الخصوص في بساتين الزيتون والنخيل والكروم إلى جانب شجر التين.

تمثل تربية الأبقار من طرف الريفيين المستقرين والأغنام من طرف الرحّل النشاط الفلاحي الثاني من حيث الأهمية لدى النوميد، ويبدو أنّ إنتاج وتسويق القمح كان النشاط الرئيسي في نوميديا وخاصة في عهد “ماسْنّسَنْ” حيث كانت العائلة الملكية الماسيلية تتوفر على مزارع كبرى (Domaines) ليس فقط في تراب المملكة ولكن في إقليمي قرطاج والماسيسيل أيضا.

كانت الفلاحة وخاصة محصول القمح المزود الرئيسي للتجارة الخارجية النشطة، كما أن المدن الساحلية مكنت الملك “ماسْنّسَنْ” من تنمية قوته البحرية وكانت موانئها تؤمّن تصدير القمح باتجاه رودس وأثينا وديلوس في العالم الإغريقي كما وفرت المملكة الماسيلية للرومان أيضا وبكميات هامة طيلة القرن الثاني ق.م. على الخصوص.

 المعتقدات الدينية:

في هذا التوجه الفلاحي، أي في عالم نوميدي ريفي بالأساس، كان الارتباط بمعبودات فلكية (الشمس والقمر) لكن عالم الريف كان مرتبطا أكثر بآلهته الخاصة وبالأرواح المحلية، وهي التي سمّيت في وقت لاحق – خلال الفترة الرومانية – بـ “الآلهة المورية” (Dii mauri) ومع الانفتاح على العالم الإغريقي في عهد “ماسْنّسَنْ” وسياسته التوافقية مع أثينا وثقافتها على الخصوص انتشرت بين النوميد عبادة إلهتي الفلاحة : ديميتر وكوري (Déméter et Korè) .

فيما يتعلق بالدفن تمثل القبور الدائرية نموذج المدافن الامازيغية (بازينا) ويبدو أن الميت قبل دفنه يتم تجريد الجثة من اللحم أو حرقها جزئيا أما الأثاث الجنائزي فهو محدود، ويضاق إلى هذا النموذج من المدافن نموذج آخر يسمى حوانيت وهي قبور محفورة في الصخر تختص بها “نوميديا الشرقية” إلى “وادي أمبساقا” (الواد الكبير).

يمثل ضريح “إمَدْغاسَنْ” نموذج عبادة جنائزية وهو معلم متفرد، ذو هندسة معمارية متطورة، يعود إلى القرن الثالث ق.م. كما يعتبر ضريح الصومعة (لخروب) الذي أقامته الأسرة الملكية الماسيلية في القرن الثاني ق.م. وهو المعروف بقبر ماسْنّسَنْ .

 عناصر أخرى من الحضارة النوميدية:

إذا كان البحث الأثري لم يكشف الغطاء بعد عن العمارة المدنية النوميدية فإنّ وجود عمارة جنائزية فخمة على غرار “إمَدْغاسَنْ” والصومعة تفترض وجود عمارة مدنية تضاهيها في الفخامة والأصالة، فـإمَدْغاسَنْ متطور عن شكل بدائي هو البازينا وهو أكثر أصالة أما صومعة لخروب فقد امتزجت بها عناصر معمارية إغريقية.

يكشف الأثاث الجنائزي المكوّن أساسا من أواني خزفية، أشكالا من التعبير الفني النوميدي التي تقوم على التحكم في الهندسة، أما النصب فإنّ المتوفر منها سواء منها التي تعود إلى تاريخ متأخر أي إلى ما بعد فترات حكم الملوك الكبار فتظهر نمطا معينا من النحت وتقدم لنا صورة عن لباس عصرها.

 اللغة الليبية (الأمازيغية القديمة):

هذا العنصر هو الذي يميّز تفرّد العالم الأمازيغي ويبين خصوصيته إزاء المجموعات الثقافية المتوسطية الأخرى، وهو دون ريب عنصر اللغة المدعومة بالكتابة، إنها اللغة “الليبية”، اللغة الأقدم قدم الناطقين بها.

وأبجديتها حتى وإن ظهر فيها بعض الشبه مع أبجديات لغات أخرى في التفاصيل فإنها تبقى متفردة ، وكانت الكتابة الليبية معروفة منذ نشأة الممالك النوميدية وخاصة في القرن الثالث ق.م. وثمّة أمثلة من هذه الكتابة عبارة عن نقوش جنائزية، وتتميز بأشكالها الهندسية المستقيمة والمزواة.

 خلاصة:

الحضارة النوميدية حقيقة تؤكّدها البحوث وهي نتاج جهد وإبداع :

“… الليبيين المزارعين (الذين) يقيمون في مساكن …” ويسكنون في منطقة ” … جبلية تغطيها الغابات …. ” (هيرودت) .

النوميد فلاحون ولكن فيهم الكثير من الرحّل شكّلوا مجتمعا منظّما أفرز عناصر مكوّنة لحضارة تقوم على ثقافة روحية أصيلة، رمزها المملكة الماسيلية على الخصوص، وهي حضارة منفتحة على مؤثرات متوسطية ولكن انتهى بها الأمر إلى التهميش بسبب التوسع الروماني.

د. العربي عقون – باحث ومؤلّف ومترجم/جامعي، أستاذ محاضر بجامعة سيرتا (قسمطينا) – نوميديا