بورتريهاتسياسة

الحراك النسوي وحقوق المرأة في دزاير: من الملكة ديهيا إلى اليوم

المقال عبارة عن خطاب حول الحراك النسوي وحقوق المرأة في دزاير، ألقته الناشطة النسوية الشاوية نضال لعمراوي، خلال مؤتمر المؤسسة الجامعية Institución Universitaria Esumer بدزاير العاصمة، خلال انعقاده في مارس 2016. ألقي الخطاب الأصلي باللغة الإنجليزية (إضغط هنا للاطّلاع)، وترجم إلى الإسبانية (إضغط هنا للاطّلاع) والفرنسية وهذه هي الترجمة العربية ننشرها حصريا على موقع إينوميدن.كوم

النساء في وطني الجزائر خاصة، وحول العالم إجماعا تعرفن حصارا مطبقا، بإطار مجتمعات أبوية ذكورية عنيفة تجاه النساء وكينونتهن، بالمحيط الاجتماعي، ومجموعة من القوانين التنظيمية غير عادلة البتة، خلقت لتؤطر وتشرع سياسة التفرقة والتمييز العنصريين، باعثة إلى السطح أشكالا مختلفة من العنف.

تحية، اسمي “نضال” وأنا جد مبتهجة لتمكني من محادثتكم اليوم عن موضوع وقضية أنا مولعة بها. ما أنا بصدد تقديمه: تاريخ نضال النساء الجزائريات ضد هاته القوانين التعسفية والتنظيمات الأبوية (البطريركية) التي هدفت إلى قمع حريات المرأة، شخصيات نسوية، معروفة أو مهمشة، من الشخصيات من أدركت توجهها وهناك من لم تدركه واعتبرن الأمر محض منعكس شرطي، قد يصدر عن أي شخص كبته وقمعه التاريخ. تلك النساء حاربن أنظمة الاستبداد وتصدين لها بقوة جيش باسل عنيد، بإلحاح وإصرار شديد، من عصور ما قبل التاريخ امتدادا الى عصرنا هذا.

قبل أن استهل خطابي هذا، أحب أن أسلط الضوء على مصطلحين سيتم تداولهما بكثرة فوجب الوقوف على مفهوميهما، وهما:

النسوية: هي ببساطة الفكرة التي تنص على الإيمان بمساواة المرأة والرجل، وهي ايديولوجية سوسيوثقافية، اقتصادية وسياسية تصبوا الى تحسين حالة ووضعية المرأة في كافة الجوانب الحياتية بغية تحقيق العدالة الاجتماعية بين الجنسين.

الجزائر: (أو “دزاير”) بلد نشأتي، هي دولة قائمة بشمال إفريقيا، والأصل كونها دولة أمازيغية (أو كما أتى على ألسن المستشرقين والمستغربين في تكنيتها كدولة بربرية) أين اللغة الرسمية الأولى مرسمة لتكون العربية، على غرار كون الجزائر دولة أمازيغية منسوبة للأمازيغ والأجدر كان أن تنسب إليهم بلدا، ثقافة ولغة، تطبق أحكام الشريعة في بلدي الجزائر مما يجعل منها “دولة إسلامية” تسوسها الأحكام الشرعية وتُحكَّمُ أمام القانون والدستور. التطبيق الاعتباطي لأحكام وشرائع الدين الإسلامي كان ولا يزال السبب الرئيسي الذي ترجع اليه مأساة النساء في بلادي.

دعوني أعود بكم الى زمن حكمت فيه المرأة، فعدلت، بلادً امتدت من تونس الى المغرب عبر الجزائر، أقوى مملكة عرفها الزمان. ديهيا؛ (أو ذايا) نُصبت ملكة على أخيها، من قبل أبيها الملك، الذي التمس فيها الروح القتالية العاتية، الحنكة والنضج المبكرين، أما المؤهلات العسكرية فلم ير لها مثيل. نوميديا كان قبل ذلك اسم المملكة، التي عرفت أيما ازدهار وانتعاش على كافة الأصعدة. التاريخ سطّر مجابهة ديهيا للعرب المستعمرين الذين تمترسوا برسالة الإسلام، بدون كلل أو ملل، بذلت الملكة كل ما أوتيت من قوة في صد زحف العرب على بلاد الأمازيغ وشهد التاريخ لها بذلك. لكنهم تمكنوا منها في النهاية.

رسم تخيّلي للملكة الآوراسية ذايا (ديهيا أو الكاهنة)
رسم تخيّلي للملكة الآوراسية ذايا (ديهيا أو الكاهنة)

لم يغير الأمر شيئا، ولم يكن له أدنى تأثير على أراء الشعوب تجاه شخص الملكة. ديهيا كانت ولا زالت رمز المرأة القوية، الحمية والشرسة التي ذادت عن أرضها وأرض شعبها إلى الرمق الأخير
ديهيا كانت رمز للحنكة والحيلة العسكرية على طول الخط بكافة امبراطوريات الشرق وكذا الغرب.

الطريف بالأمر، كل النساء اقتدين بشخص ديهيا، حذون حذوها وطالبن بحق المساواة مع الرجال. فالعرف والعادة كانا خروج المرأة واحتكاكها بالرجل كتفا لكتف بساحات المعارك، في الحقول والمزارع وكافة نواحي الحياة.

تمتعت ديهيا بكم هائل من الحرية، فتحدت كل ضوابط المجتمع، “يحكى” أنها هجرت زوجها الى عشيقها، ومع ذلك طالبت بل وفرضت احترام العدو قبل شعبها.

يشهد التاريخ أن ديهيا والنساء بصفة عامة كن شوكة بحلق كل من سولت له نفسه تحقير المرأة، أو استصغار دورها بالمجتمع، ركيزة من الركائز العديدة التي أدرجت إبان حكم ديهيا، ولسان حالها كل امرأة كانت ملكة، كل امرأة كانت امرأة مقاتلة مُميتة.

مقت العرب ديهيا بشدة حتّى أطلقوا عليها اسم الكاهنة، واستدلوا في ذلك إلى قدراتها القتالية الخرافية، قوة جسدها، حيلتها الواسعة التي دوخت أقدم وأعتق قواد العسكر، وأبنائها الذكور الثلاثة. جرت العادة في خرافات الساحرات ان تتخذن من البنين ثلاثا وتمتنعن عن البنات. استولى العرب على بلاد الأمازيغ، نصّبوا العربية كلغة تعامل رسمية والدين الاسلامي كدين لا نقاش فيه.

الرجاء ملاحظة أن أول بوادر الحركة النسوية، إن صح القول، لاحت بأيام حكم ديهيا، أين عرفت النساء شأنا عظيما وبذلن في كل مجالات الحياة، كما بذل الرجال. ثم أتى المستعمر الفرنسي سنة 1830 وهنا تكمن محطتنا الثانية بتاريخ النشاط النسوي الحقوقي.

مليون ونصف المليون شهيد كانت حصيلة حرب دامية والتي خلّفها انتفاض الشعب عام 1954 واستمرت على امتداد تسع سنين إلى غاية عام 1962 أين توجت باستقلال الجزائر ورحيل المستعمر عن التراب الجزائري.

كما قلت مسبقا، في عام 1954 عرف النشاط الحقوقي نقطة تحول في مسار تاريخ نضال النساء الجزائريات أين اقتحمن أبواب عديدة وطالبن بإدماجات بأفاق جديدة. مع التركيز على الجانب السياسي والديبلوماسي بكثرة، أين كان لهن أيما تأثير على الصعيد السياسي الاجتماعي الذي عرفته الجزائر آنذاك.

التحقت الجزائريات بالجبال كمقاتلات، بالمخيمات العسكرية، وشغلن كافة الوظائف والمهام، قدن العمليات الانتحارية، تطوعن بكافة المؤسسات الإنشائية العسكرية وغير العسكرية كن عسكريات، مقاتلات، مناضلات، مدرسات، ممرضات بالملحقات الطبية وتوغلن بأعالي الجبال يحرصن على تقديم النفيس والغالي في سبيل المشاركة في تحرير البلاد. ومن أجل المشاركة في اتخاذ القرار فاقتحمن عالم السياسة فيما بعد أن كان محصورا على الرجال.

كانت النسوة وعن قناعة شخصية تخترن ترك مقاعد الدراسة أو العمل للالتحاق بركب الثورة والانتفاضة، ضاربات بعرض الحائط كل الضوابط الاجتماعية التي فرضت غصبا علين من وقت ليس بالبعيد. حاربن الاستعمار الفرنسي بكل ما أوتين من وسيلة، تلك اللواتي لم يتمكن من الالتحاق بالجبال قبعن في بيوتهن وأصرين على مواصلة النضال عن بعد، فحرصن على تربية وتحضير جيل واع مشبع بالقيم الوطنية الصحيحة لبناء الجزائر المستقلة بالغد القريب.

لكن أوَ تعلم شيئا؟

الحرية الشخصية باتخاذ القرار والثورة مفهومان ايديولوجيان متشابهان بالأساس، مكون مكمل الواحد للأخر، إن نحن نظرنا الى الأمر من وجهة نظر المرأة. الثورة ضد المستعمر وكذا في سياق استعادة الحريات الشخصية المسلوبة للنساء. الاثنان من قلب المنزل.

في هاته الفترة، نذكر مريم بوعتورة، جميلة بوحيرد، فاطمة هازڨّاغث، لالا فاطمة نسومر، مسيكة زيزا، حسيبة بن بوعلي، زهرة ظريف، قائمة طويلة… العديد العديد من النسوة اللواتي انتفضن ضد المحتل.

الشهيدتان مسيكة زيزا ومريم بوعتورة، مقر قيادة الولاية التاريخية الثانية

ضربت نساء بلادي أجمل وأشجع أمثلة في فنون الذود عن الوطن وفدائه بكل غال ونفيس، انتفضن وأعلنّ رفضهن أن يكن تحت سيطرة الأقوى.

في لمحطة الثالثة بتاريخ النسوية، أحبذ أن أبذل اهتماما خاصا وأقف مطولا عند قانون الأسرة التشريعي وكيف له أن حدد مسار الحقوق النسوية في الجزائر ونخص بالذكر مرحلة ما بعد الاستقلال، أين تميزت هاته الفترة بسيطرة الإسلاميين من حزب إسلامي ومناهضين مقابلة بالحزب الليبرالي المعارض (الحركة الثقافية الأمازيغية) التي كثيرا ما نادت بالمساواة الجندرية، العدالة، ترسيم الأمازيغية كلغة رسمية، وحرية المعتقد والرأي والخيار. التناظر والاختلاف الفادح فيما أتى به الحزبان خلق الكثير من العداء وبرزت إلى السطح العديد من التشققات والنزاعات والتصادمات مما شجع على اتخاذ العنف كغاية ووسيلة لصد النزاعات وإثبات الحضور وفرض سيطرة على الساحة.

المثير للاهتمام والطريف في الأمر هو كيف أن المجتمع الجزائري بتحريض من الحزب الإسلامي أدان كل من الحركتين: الأمازيغية الليبرالية والحركة النسوية الناشئة، بالتواطؤ مع المستعمر الفرنسي، الشيء الذي اعتبر خيانة للمبادئ التي أتت بها الثورة والحزب الحاكم آنذاك. وبهذا تفقد كل من الحركتين مصداقيتها أوتوماتيكبا. الأمر الذي عزز من احتكارية Monopoly الحزب الإسلامي وشجع قواده على الوقوف بوجه كل من وكل ما عاكس ما أتوا به، أين وظّفوا العنف واستغلوا كل الطرق في ذلك مبررين أفعالهم بالوقوف بالمرصاد في وجه كل فعل من شأنه أن “يزعزع التركيبة الاجتماعية المحافظة للجزائر” أو أن “يمس بعامل مكانة الدين الإسلامي” أو التقاليد وبهوية الدولة كدولة إسلامية.

لكن ما طبيعة العنف الذي نحن بصدد الحديث عنه؟

العنف اصطلاحا “هو فعل التعدي على كيان شخص، فقد يكون جسديا وقد يكون معنويا”. نخص بالذكر العنف المطبق على المرأة، فهذا النوع وبهذا النطاق يعكس أفكارا ومبادئ ذكورية بنيت على أساس تفوق الرجل على المرأة، وأخرى تفريقية تحصر وتخص المرأة بمجالات من الحياة فتوقفها على الجنس الأخر والعكس صحيح. مبادئ تغذي ثقافة تهميش المرأة وترسيمها فقط على مناصب ثانوية فرعية، مغروزة برحم المجتمع عن طريق تعزيز ثقافة الفصل ثم الكره بين الجنسين. عادة تظهر في صورة رجل ضد امرأة، فما الحقد المتوارث والصدامات التي نعيشها يوميا إلا تجسيد لهاته المبادئ المعطوبة الاعتباطية والبطريركية التي نستمر بتوارثها جيلا بعد جيل.

تشهد دول شمال افريقيا ودول الشرق الأوسط (أين يأخذ بقوانين وأحكام الشريعة الإسلامية إبان المثول أمام القانون) نوعين من أشكال العنف ضد المرأة، عنف خاص شخصي يعرف ضراوة بالحيز الداخلي وعنف عام مطبق من قبل الحيز الاجتماعي الخارجي.

تتباين وتتراوح درجات العنف ضد المرأة وكذا أنواعه باختلاف المجتمعات ومختلف التطبيقات والتشريعات المطبقة من منطقة إلى أخرى.

المواضيع العنصرية التي أتى بها قانون الأسرة الجزائري سهلت ممارسة العنف ضد المرأة، وسمحت بالممارسة القانونية (شرّعت) للعنصرية، جاعلة من المستحيل على النساء النهوض والانتفاضة ضد هاته الاختراقات الحقيقية، لا لسبب إلا كونها قانونيا مسموحة.

مع بوادر سنة 1980, تحولت النساء رسميا إلى هدف صريح للمتجهين الى الحزب الإسلامي، أين عمدوا إلى التنمر على النساء وطردهن من الساحة الاجتماعية عن طريق استخدام العنف؛ فشنّوا هجومات جسدية تستهدف النساء، والتفتوا إلى تشويه وجوه النساء “السافرات” برمي حمض الأسيد أو التهجم باستعمال الأسلحة البيضاء على كل من تخول لها نفسها الحياد عن الارشادات المسننة.

في وجه هاته الاعتداءات المتكررة، والتي غالبا ما تسببت في تشوهات وعاهات مستديمة للضحية، لم تحرك الدولة ولا القوات المسؤولة ساكنا، كانت النسوة وعند تقرّبهن من مصالح الشرطة تشتكين حالهن غالبا ما تقابلن بالاستنكار والنفور. لطالما أخبرن أنهن جنين الأمر على أنفسهن، إنّه السكوت عن الجرم، الذي حركه تارة التواطؤ ومرات أخرى الخوف، هذا الأمر الذي شجع الحزب “الإسلامي” على أن يبعث بأياديه الأخطبوطية نافثا سمّه إلى مناطق أوسع في الوطن.

فالمتعارف عليه بالساحات الدولية أن الطريقة أو التكتيك الذي يقرر بها مجتمع أن يتعامل مع العنف يتضح فعلا بسياسة الدولة في مسائل حقوق الانسان، الديموقراطية والتسيير الجيّد.

لكنّ تشريع قانون الأسرة ذاك، دليل على الفشل الذريع للدولة الجزائرية والقائمين عليها أنداك على كافة الأصعدة السابقة الذكر. ودليل على موقف الدولة الجزائرية من المرأة، من حالتها السياسية كمواطنة، وموقفها الضعيف والبعيد كل البعد عن كونه داعما للحقوق الفردية والأحوال الشخصية للمواطن (من مذهب ولغة). وقد ظهرت وبانت هاته المواقف بعدة مناسبات أين أشاحت الدولة الجزائرية بنظرها عن المظاهرات العديدة التي عرفت نشاطا متواصلا من سنة 1981 إلى غاية 1984، للمطالبة بحل قانون الأسرة التي باءت كلها بالفشل.

والملاحظ عند العديد من الحكومات والدول الأخرى الميل الى المساومة بل والتخلي عن حقوق المرأة بمقابل عدم التزحزح من مناصب القوة التي تشبثوا بها أو في بعض الأحيان إخلال الأمن وتفادي كل أنواع الاضطرابات التي قد تودي باستقرارية المجتمع والحالة السياسية آنذاك.

في الحالة الجزائرية، شخصيا، أظنها كانت قليلا من الاثنتين.

المضحك بالأمر كون الحزب الاسلامي ومناهضيه كانوا أبعد من أن يكونوا راضين أو مكتفين بقانون الأسرة المشرع من طرف حكومة الشاذلي، رافضين القانون داعين الى إعادة دراسة كونه لا يوافق الشريعة الإسلامية في بعض نواحيه، وكذا إلى ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية، وتحوير دستور الدولة الجزائرية الى دستور دولة إسلامية فإسقاط صفة الديموقراطية الشعبية عنها.

مظاهرات وتصادمات أكتوبر 1988 والأثر الذي خلفته على منحى تاريخ الحركة النسوية وحقوق المرأة:

التوتر الشعبي الذي ميز سنوات الـثمانينات قاد إلى المظاهرات المعروفة بأعمال شغب أكتوبر 1988. الأمر الذي عرف أمواج نفور واستنكار واسعتين عنها، تجسدت مبدئيا عبر سلسلة من الإضرابات والمسيرات السلمية التي سريعا ما أدت إلى تقهقر الحالة الاجتماعية والتي كانت حصيلتها تضخم وتوسع هاته التصادمات لتشمل مناطق أخرى من الوطن.

ما زاد فتيلها حملات التخريب العديدة التي أقدم عليها الشباب مستهدفين المؤسسات والبنايات الحكومية، وقابلت القوات العسكرية هاته التصادمات بالمثل، أين لجأت إلى العنف الذي كان نتاجه حصيلة مرتفعة من الوفيات والجرحى والمتضررين من مئات التظاهرات، وكذا الاعتقالات بصفوف العامة، مما أدى الى كهربة الجو وشحن الشعب بكراهية أشد تجاه الدولة والقوات العسكرية.

استغلّ الحزب الإسلامي الأمر لصالحه، أين وظف كل هاته التصادمات في تغذية الانفصالية وخلق قاعدة كره تجاه كل ما هو حكومي أو عسكري، أو بالأحرى كل ما هو غير إسلامي (مدني). وتحركت قواه إلى توظيف الشباب العنيف والحاقد على النظام أين تم ضمّ، فتوظيف، العديد من الشباب الغاضب.

بالمقابل عرفت الحركة البربرية والتحررية موجة واسعة من الدعم من طرف الحركات التنويرية الليبرالية وكذا الحركات النسوية التي انتهزت الفرصة لتعبر عن استيائها من الحالة التي آلت إليها البلاد وكذا المطالبة بتنحية الشاذلي، رئيس الدولة آنذاك. خاصة المجموعات النسائية، التي وطوال سنوات الثمانينات حرصت على أن تكون حاضرة بموقفها الرافض تجاه قانون الأسرة في كلّ المناسبات؛ عبر تنظيم مظاهرات (عرفت فيما بعد بمظاهرات “المئة امرأة غاضبة” ومن بعد “خمس مائة امرأة غاضبة”)، مطالِبات بالاعتراف بالحريات الديموقراطية.

لجوء هاته الحركات الى المطالبة بالتعددية الحزبية كان خطوة مدروسة، اتُّخذت كبديل لحاجة التطرق الى المسائل الأخرى، الاقتصادية والاجتماعية.

وجب التنويه إلى أن الحالة السياسية للنساء بهذه المرحلة عرفت أوْجَها وبالرغم من تشريع القانون الأسري آنذاك، تمكنت النسوة من إعادة احياء الحركة النسوية الجزائرية وتشكيل منظمات ذات أهداف دعوية مكفول حق انشائها بالقانون و لأول مرة، والتي كانت أول بوادرها في أواخر سنوات الأربعينات لكن بصبغة سياسية هاته المرة، الأمر الذي لم يطُل قبل أن تطوله أيدي الحزب الحاكم (حزب جبهة التحرير الوطني)  الشيء الذي نصل الحركة والتجمع الاثنان على السواء من التوجه النضالي خصوصا بعد أن تركت كل المناضلات والشخصيات المؤسسة لمقاعد التجمع مخلفين من ورائهم صحراء مقفرة بعالم النشاط النسوي، تم بعث التجمع بثوب جديد من طرف مجاهدات حرب التحرير وكذا بعض من مناهضي حقوق المرأة، تشاركن في هدف واحد ألا وهو القضاء على النصوص العنصرية التي أتت بقانون الأسرة، بعد صدور التشريعات السياسية عام 1988 انتهزن الفرصة لتشكيل الجمعيات الثلاث الأولى من نوعها: جمعية تحرير للنساء، جمعية حق المرأة في المساواة امام القانون وجمعية الدفاع وتنمية حقوق المرأة.

بالرغم من الفجوة بين كل من الحالة السياسية والاجتماعية من منظور المرأة. الشيء الذي حظر على النسوة التمتع بنشوة الانتماء إلى صياغة القرار. وما زاد الطين بلة كان تطور حضور المنصّي للحزب الإسلامي والذي عرف نشاطا لم يعرفه من قبل (الجبهة الإسلامية للإنقاذ FIS) وكذا الأجندة البعيدة كل البعد عن الديموقراطية والتي أصدرها الفيس أضف إليه الخطابات المنمقة العنصرية المتشددة الأمر الذي أثار حفيظة الحركات السياسية الليبرالية وكذا التجمعات النسوية، أرعبت وعود الفيس المتكررة التي تمثلت في تنصيب والتطبيق الكامل لأحكام الشريعة بالجزائر إبان وصولهم للحكم. وفي هذا الشأن ارتأوا تعيين وتوظيف الشباب الغاضب والناقم على الساحة السياسية والوضع الذي آلت اليه البلاد أين أودعوهم الكثير من الوعود الكاذبة، فكان كل من انجر وراء هاته المزاعم الشباب العاطل عن العمل، الشريحة التي مثلت أغلبية المجتمع الجزائري آنذاك.

استغل الـ”فيس” ساحات الجوامع ومنابر الجمعة لنفث سمومه عبر مكبرات الصوت التي حركت المجاميع الشعبية نحو تبني موقف جد عدائي تجاه المرأة والذي انجر وراءه العديد من الشباب العاطل مقنعين إياه بفكرة ضرورة مكوث النساء ببيوتهن تنفيذا لأمور الاله وضوابطه كربات بيوت وترك مقاعد العمل للشباب العاطل الذي هو بأمس الحاجة إليه (كما يزعمون).

الشيء الذي جعل من المجتمع أكثر عدوانية تجاه المرأة، مصورين إياهن كـ “خطأ و شر” وجب تداركه أن رغب أحدهم بإصلاح المجتمع الجزائري، وتجلت كل الشرور بشكل امرأة وكل النساء بتلك الحقبة من الزمن، تلك النساء اللواتي انتفضن ضد قانون الأسرة وطالبن بالمساواة مع الرجل، وصفت تلك النسوة بالنساء اللواتي سعين وراء امتلاك حق الزواج بأربع رجال وكان هذا التفسير الوحيد بجعبتهم مقابل كل مطالب المساواة التي رفعنها.

معاناة النساء خلال العشرية السوداء
معاناة النساء خلال العشرية السوداء

جمعية حق المرأة في المساواة أمام القانون نادت إلى تجمع بغية الاحتفال باليوم العالمي للمرأة بعام 1989 مصممات على مواصلة الكفاح ضد سياسات و قوانين التفرقة على أساس الجنس والموثقة كنص قانوني شرعي، المتمثل في قانون الأسرة معتبرين إياه كحاجز معرقل في طريق إحلال العدالة السياسية والاجتماعية، والمساواة والديمقراطية، وبغياب هاته المكونات السابقة الذكر لن يمكن تحقيق تلك القفزة الثقافية والاجتماعية بحياة المرأة الجزائرية والمجتمع على حد سواء فلا يغيب على عاقل إن هو تفكر بالأمر أن اعتبار المرأة فردا قاصرا تحت لواء القانون يمنع المجتمع ككل من تسلق أصعدة التقدم والولوج بمجتمع ديموقراطي الشيء الذي سيحد من تفشي الفكر المتطرف.

ملاحظة: باءت كل المحاولات المتواصلة من طرف الجماعات النسوية لتحسين الصورة الاجتماعية للمرأة بالفشل أو أقله قوبلت بحالة استنفار قصوى وعرفت الكثير من المصادمات والنقد الحاد الذي تعدى حدود وشكليات النقد الصحي ليتم نعتهن واتهامهن بالرغبة في افشاء الانحلال والرذيلة، طعن في مقومات الوطنية التي أتى بها الاستقلال، والصحيح في الأمر كونهم من تخفوا وراء أقنعة المصلحين وأتوا بالإرهاب بكل أشكاله، نزعوا الصحون الهوائية من سطوح منازل العامة وعوضوها بمكبرات الصوت التي ما لبثوا ينفثون عبرها سمومهم. فرضوا أسلوب حياة معينا على المواطنين، كل خطبهم تميزت بالغلاظة، الكره والتحريض على العنصرية خاصة بالعاصمة “دزاير”، أين عرف نشاط الفيس أوجه إبان هاته الحقبة من الزمن، عرفت كل تفاصيل الحياة اليومية بالجزائر تغييرا جذريا مس كل أوجه الحياة حتى طريقة اللباس والتنقل، مما وضع ضغطا أكبر على النساء حيث كن مجبرات على الامتثال لضوابط واهية بلا خلفية، حجاب فجلباب فـ”تشادور” (اللباس الأفغاني). شوارع الجزائر والنساء عرفن قانون “لباس نظامي إلزامي” جديد، ومظاهر كانت دخيلة على تكوينة المجتمع الجزائري فيما مضى.

مسح سريع لشوارع الجزائر آنذاك سيجعلك ترى الكتابات الحائطية في كل الشوارع. بعبارات جد مخيفة تحمل في طياتها وبصيغة “أمر” تهديدات لكل من تسول لها نفسها الخروج الى الشارع دون الالتزام بـ”كود اللباس الالزامي”. عبارات على شاكلة: “كل من تسوّل لها نفسها بالعصيان لها البندقية بالمرصاد” أو “كل من كشفت عن نفسها لها حساب عسير”، و”النساء منبع كل شر”… وغيرها العديد.

اللباس الإلزامي الذي استورده الفيس من المشرق وعاقب الدزيريات اللائي رفضنه
اللباس الإلزامي الذي استورده الفيس من المشرق وعاقب الدزيريات اللائي رفضنه

يخطئ كل من ظنّ أن الشعب رأى في هاته الأفعال خطرا وانتفض، لا الشعب ولا الدولة حركا ساكنا، والدتي التي عاشت وعايشت الحقبة رفضت رفضا قاطعا الانبطاح لرغبات قواد “الفيس”. كفرت بذاك الزي الرسمي، رفضت التخلي عن منصبها، كمتمدرسة ومدرسة، والانزواء بالبيت كما كان مطلوبا منها. والدتي بالفعل كانت محظوظة؛ فقد تخلفت على كل مواعيدها مع ملاك الموت لكن العديد من صديقاتها لم يكن بنفس الحظ.

حرموا كل مظاهر الفرحة أو الاحتفال: الأعراس، أعياد الميلاد، الموسيقى، السباحة، الاستجمام بالشواطئ… كل ما دل على السرور كان ممنوعا: قاعات السينما والمسارح. أطلقوا بحق العديد من المغنين والممثلين تهديدات قتل وتصفية. أحلّوا دم كل من عارض القوانين التي وضعوها، أول النسوة التي تمت تصفيتهن كانت المدعوة كريمة بلحاج، صاحبة الـ21 سنة والتي كانت تعمل كمسيرة ومشرفة بإحدى مصالح الشباب والرياضة، أولى عمليات التصفية بتاريخ 7 أفريل 1993، أخرى كانت في ربيع عمرها الـ28، أم لخمس، فصلت أعضاء جسدها على مرأى من صغارها. على فظاعة الوصف كان الفعل أفظع، شقيقتان بعمر 12 و15، اختطفتا وأعتدي على كلتاهما، جنسيا، جماعيا بصفة وحشية. مهدت هاته الحوادث المتسلسلة الى أفعال أكثر تطرفا.

مارس 1994؛ أضحت النساء والفتيات الغير ملتزمات بـ”الكود الهندامي” تسقطن في شوارع المدن على وقع رصاص ميليشيا الفيس، النساء المنخرطات بالجمعيات المدافعة عن حقوق المرأة كن أولى المستهدفات أسماؤهن كانت تعلق على مداخل وأبواب المساجد، منادى بها من على منابر المساجد. احدى المعنيات بالأمر وثقت الحادثة فأخبرت:

“أمام الحي كان يصرخ منددا بكل من تتبع خطاي، واصفا اياي بالمرأة منحلة الأخلاق والخطر المحدق بالنساء والمجتمع”

عاشت الوضع تدور بحلقة خوف مستمر متخفية عن الأنظار.

لقد كان أمرا جليا تتبع وتعقب الفيس للنساء وتحركاتهن على وجه الخصوص، واضعين إياهن أولوية بالأجندة التي سطرها الفيس في سبيل فرض سيطرته التامة، تجلت معظمها في لائحة تصفيات طويلة أتت بحق نساء أتين من كل ركون الحياة؛ حلّاقات، صاحبات محلات التزيين والحمامات، المدرسات، الجامعيات المتمدرسات، النساء اللواتي كانت لهن صلة بالحكومة إما عبر مناصب أو ناشطات حقوقيات، أو فنانات.

عرفت هاته الظاهرة انتشارا منقطع النظير بعد إلغاء الانتخابات التشريعية والتي فاز بها الحزب الإسلامي وبعد إعلان حالة الطوارئ بالبلاد، الأمر الذي مهد الطريق للدخول في دوامة الحرب الأهلية الدامية المتزامنة مع العصيان المدني الذي عرفته ساحة الجماهير آنذاك. حالات تصفيات بالجملة حصلت بصفوف الجيش، النخبة، النساء والطلبة، لقد ارتكبوا مجازر مهولة.

أحاول النظر الى الموضوع من مختلف جوانبه، أدس رأسي في مختلف المراجع، أقصد كل المصادر على اختلافها فلا ألبث أرى في مختلف العمليات والتصفيات، استهدافا صريحا للمرأة فقد تم استغلالهن مرة كوسيلة للوي ذراع الجيش والحكومة. كان تكتيكا درس بعناية ومرة استخدمن كدرع بشري يتفادون به الصدامات بالصفوف الأمامية ضد الجيش أو الحكومة.

مرة كـ «bonus» “نقاط إضافية” لتخويف من قد تسول له نفسه الوقوف بوجه الفيس، تحل أعراضه من نساء بيته، فتختطفن وتغتصبن وتشوهن.

مظاهر المقاومة ( نشاط النسوية ) :

كيف قابلت النساء كل هذا ؟ ما كان موقفهن من كل مظاهر التهميش والتحقير وجملة الاساءات المعنوية والجسدية التي طبقت عليهن؟

لم تكن العشرية السوداء ببعيدة عن عهد الاستقلال، قررت الناشطات النسويات وكذا مناصري الحركة النسوية بالجزائر من مجموعات وأفراد عدم التنازل عن المطالب التي أتوا بها ومواصلة المقاومة التي اتخذت شكلين:

شعبي عفوي تبناه الشارع الجزائري بكل شرائحه ممن ناهضوا المبادئ التي أتت بها الحركة.

مقاومة سياسية؛ مدروسة ومسطرة لكي تحقق أهداف تنمية للحركة على كل من المدى القصير والبعيد، موازاة بتحرير المرأة من القيود التعسفية المتطرفة والتي أتت بصبغة إسلامية ليغفل الشعب عما تخفيه من أهداف.

واصلت النساء الكفاح، رغم كل شيء، المجازر البشعة، 16 تلميذ تم اغتيالهم بقلب المدرسة بأكتوبر 1997، النساء المدرسات اللواتي لم يعلمن أنهن ستعدن بالمساء أدراجهن سالمات. واصلت النساء كفاحهن قلت، كانت الواحدة تنصب لتشغل المقعد الذي أضحى شاغرا، بعد رحيل زميلة، قريبة أو صديقة، التي راحت صحية أيادي الإجرام.

واصلت النسوة الكفاح بالإصرار على زيارة حلاقة الحي، الحمام بآخر الشارع، احتفلن بعيد يوم المرأة العالمي، أعياد الميلاد…الخ.

كانت ألسنة حالهن: “الحياة بالمرصاد للموت، الحياة دائما تنتصر”

قامت هاته الجمعات النسوية بإطلاق العديد من الحملات الخيرية ففتحت ملاجئ للنساء ضحايا الاغتصاب والعديد منهن اللواتي أهملن وتم التبرؤ منهن من طرف عائلاتهن، كانت أولى الجمعيات التي تبنت النسوة والفتيات اللواتي حملن مجبرات: SOS femme en détresse. ضغطن على الحكومة لتمرير الحق القانوني في الإجهاض أين وجب وفي الحالات القصوى.

نصبن قابلات، أطباء، دكاترة علم نفس، لإسعاف تيك النسوة الناجيات من العنف في رحلتهن نحو التعافي، على كل من الصعيد المعنوي وكذا الجسدي.

هذا الجو؛ و بكل مكوناته، وظروفه ساهمت في نبوغ ظاهرة اجتماعية كانت جديدة في هذا العصر. في غياب الرجال، كانت النساء وبثقة يتقدمن إلى قلب الساحة، متقلدات كافة المناصب باستحقاق، متخطيات كل الصعاب بجدارة، الشيء الذي غذى في تيك النسوة الرغبة في تقلد ما كان أكبر، وأوقد العزيمة والإرادة بتملك ما كان أجلّ.

بلغت حالة الحضور النسوي للنساء بهذه الفترة أقصى الدرجات، النسوية كحركة عرفت منحى جديد بالتاريخ الجزائري. منحى كان اقتصاديا أكثر ما يكونه، لكن إياكم والظن أن النسويات les féministes حدن بأنظارهن عن الهدف الأسمى.

إن نحن دققنا الملاحظة وجدنا أن تاريخ النسوية بالجزائر عرف محطتين أساسيتين غيرتا من مسار الحركة وكذا دور النساء آنذاك فنفضن عنهن التبعية وروح الرضا بكل ما يرمى أو يعرض عليهن من “حقوق” –بتحفظ على كلمة حقوق – فصرن عضوات فاعلات مؤثرات بعملية تحقيق المساواة التي لا طالما سعين وراءها.

نقطتا تحول، اثنتان عملت على إرسائها الجماعات النسوية بالموازات مع المجموعات المختلفة التي شاركتها الإيمان بالقضية، وحدت القوى واصطفت الجبهات معلنة تضامنا غير محدود مع القضية. تحركت النساء اللواتي تعرضن لمختلف عمليات الاضطهاد من مغتصبات وشهدن وقصصن تجاربهن على التلفزة الوطنية ولأول مرة؛ حدثن العالم عن مجريات التجارب المؤلمة التي عشنها، كانت تلك الوساطة التفاعلية التي ميزت الحركة الدعوية هي مفتاح سر نجاح هاته الحقبة.

كيف نجحت النساء في تدويل القضية وإيصالها إلى العالمية؟

تحت هاته النقطة قصدت أن أدرج ما أشرت اليه بـ” أهداف طويلة المدى “؛ لقد كان مقدرا للثورة النسوية أن تتفرع لتمس كل ربوع البلاد المجاورة، المشرق وكذا المحافل الدولية، ما شجع الحركة على المضي قدما. كان التشدق والاعتزاز بالتاريخ النضالي النسوي الذي عرف أوجَه خلال الفترة الاستعمارية التي لم تكن بالبعيدة، فبعد أن عملن على تعزيز حضورهن المنصّي على الصعيد الوطني توجهن إلى توحيد الجبهات المناصرة التي توافق المبدأ، تنادي بمصداقية القضية وتشترك بنفس الأهداف وسعت الحركة من دائرة نشاطها لتمتد الى المغرب، تونس فتنضم بذلك الى الشبكة المغربية للمساواة سنة 1995.

نشهد أول تحركات المنظمة وبعد تشريع طبيعتها القانونية كاتحادية، رفع قضية ضد الفيس وممثليه أنداك، بعاصمة الولايات المتحدة –واشنطن، ضد ما اعتبرنه اختراقا فاضحا لقوانين حقوق الانسان وكذا ما أتى به دستور الدولة الجزائرية من ديموقراطية و استقلالية تشريعيتين والتي كانت قد اعترفت بها هيئة الأمم المتحدة بوقت قريب آنذاك.

مثلن دون سأم المرأة الجزائرية وكذا القضية الجزائرية بالعديد من المحافل الدولية، الداخلية والخارجية. مثلت النساء عنصرا فعالا في عملية تدويل قضية المرأة الجزائرية، عرفت النسوة على الساحة الاجتماعية انتعاشا منقطع النظير. الأمر الذي تقاطع مع تقلّد النساء مراكز مرموقة على محور صياغة القرار على نحو غير مسبوق مما خولهن المشاركة بتقرير المصير في العديد من القضايا التي خصت شؤون المرأة وغيرها.

أما فيما خص قانون الأسرة التشريعي، ضغطت مختلف المنظمات غير الحكومية على الحكومات المعنية بشؤون المرأة والأسرة لإعادة مراجعة وتفعيل المطلب الذي قوبل بالإطناب والمماطلة والاستهتار ولم يتم تحقيقه.

سنة 2005 تم ادخال بعض التعديلات على بعض من المواد التشريعية بذات القانون بعد نقاشات حادة أسالت الكثير من الحبر وكذا تظاهرات قادتها الجبهات المحافظة والتي عارضت التغييرات المقترحة، وبالرغم من أن المسودة التي قدمت كاقتراح للمواد المعالجة لم تحمل في طياتها أمرا هامّا كالذي كانت المنظمات التعاونية والنسويات تطمحن إليه إلا أن كل مناهض للقضية اعترف بأهمية الحدث كخطوة، في حد ذاتها، نحو فتح أفاق جديدة واعتبار خطوات لاحقة بسجل القضية المخصوصة بالأمر. الأمر الأخر الذي عظم من شأن الأمر وجعله إنجازا معتبرا.

حقيقة الأمر التي مفادها ان أقل وأيسر التعديلات المعتبرة كانت بالفعل محسنة للصورة السياسية للمرأة الجزائرية إبان مثولها امام القانون التشريعي.

تعديلات عام 2005 حطمت تلك الصورة النمطية التي كانت متداولة بالأذهان عند استحضار أي من القوانين الواردة، التي كانت تؤخذ بمثابة قرأن منزل من السماء والذي لا يجوز أن يناقش او يحرف.

أخر التعديلات كانت إدراج قوانين ومواد تجرّم كل أشكال العنف والإساءة الجسديين، مع التركيز على ظاهرة التحرش بمراكز العمل وكذا العنف المنزلي والمخصخص. في “سحب” أو بالأحرى ” إلغاء” لحق الزوج في “تأديب” الزوجة.

كانت هاته التعديلات مخاضا عسيرا بذل فيه المجتمع والنسوة عتيا أين “تحتمت” أن تلفظ نفس أنفاسها مدهوسة تحت عجلات من نصبه القانون ربا على النساء بالأرض، حيوانا بشريا.

أختم مقالي و اياكم بقصة من بدعوى وفاتها – وإن وجب القول استشهادها – أتمتع و أخواتي الأخريات من الجزائريات بالقوانين الجديدة التي تصبو الى حماية المرأة من العنف الجسدي بالمنزل وخارجه السيدة : رزيقة شريف؛ 40 عاما، متحجبة مرتدية ما يعتبر عند عامة الشرائح هنداما لائقا، أين تعرضت لمضايقات كلامية من طرف بطل القصة و كل قصة.

اعترضت المرحومة على مضايقات السائق الذي لم يأب إلّا أن يواصل متابعتها ثم ومع سبق الإصرار والترصد دهسها روحة ورجعة. أين سلمت الروح إلى خالقها وفارقت الحياة بعين المكان.
قيدت أرقام لوحة المجرم من طرف شاهدي عيان كانوا بقلب المكان، ألقي القبض على المعتدي أين اعترف بحيثيات الحادثة التي خلفت استياءً منقطع النظير بكامل ربوع الوطن لدرجة أن مجلس البرلمان دعى إلى اجتماع مستعجل ومغلق أين نوقشت المصادقة على القوانين الهادفة إلى حماية المرأة من مختلف أشكال العنف والتي تم اقتراحها بوقت غير بعيد، أين تم عرقلتها و رفضها كلية أنداك بحجة أنها تضرب كيان واستقرارية المجتمع والأسرة الجزائرية المحافظة في الصميم.

أستغرب الأمر واياكم، كيف لشخص واع، إن هو أشغل عقله، الظن بأنّ تلك مخلفات ممارسة المرأة حقها في الحماية من تكالب مجتمع ذكوري قصري قهري.

كيف لمجتمع بتاريخ يعود إلى حضارات عظيمة أن ينظر الى الموضوع بسطحية، لا بل وباستهزاء وتحقير، والأسوء إن هو نظر اليه كشرّ.

أيعقل أن استقرارية الأسرة قائمة وتقوم على إهانة المرأة وتدريبها ودعوتها إلى تقبل الإهانة، العنف وكل أشكال التحقير الممارسة عليها بظل القوانين التشريعية القاهرة ؟؟

ألست مواطنة جزائرية؟ كيانا كاملا؟ غير منقوص البتة؟ أمارس مواطنتي بجدية؟ أحترم وأطبق القوانين وآتي من الواجبات ما هو متوقع مني؟

أليس بالمقابل من حقي أن أتمتع بأبسط حقوق؟

أم أنكم تنادون بحقوق الانسان و “تسخنو في” المقاعد البرلمانية وبالمحافل الدولية تزمجرون: ‘ الجزائر ديموقراطية، بالجزائر نحفظ حقوق الانسان.

والمرأة انسان، أليس كذلك ؟؟

أين أنا من حقوقي ؟؟ أين حقوقي مني ؟؟ أين الجزائر مني ؟؟ أين أنا من الجزائر …تلك الجزائر الديموقراطية

أن يكون  العنف المطبق على النساء “الغراء” الذي به تتمالك تلك “الأسر الديموقراطية” هي الأخرى نفسها لهو أمر لن ترضاه حرة , أمر لن تتجرعه سليلات ديهيا

حقيقة الأمر، و إن وضعنا أخر تعديلات على جنب، لا زالت الجزائر وكدولة ديموقراطية بركب الدول المتسلقة نحو تحقيق و ضمان أدنى حقوق الانسان.

تقف النسويات بالمرصاد لكل أشكال الهيمنة الذكورية التي يعرفها المجتمع الجزائر، ببلد أين يمكن للمرأة أن تتقلد أعلى المناصب، قائدة قوات عسكرية، طيارة، كاتبة عالمية، رياضية ذهبية، والية، وزيرة، عضوة برلمان، باحثة، أم أو مربية، … أستغرب كيف لبعضنا أن تأتين كل هذا أين تعيش أخريات التهميش والحڨرة، تعانين ويلات الفقر، الجوع، الجهل، تهنن، وتغتصبن.

المشوار لا زال طويلا و المعركة لا تزال قائمة. نحن بصدد إحداث فرق ولو كان ضئيلا
لنساء دزاير الأبية، لكل نساء الأرض، فلتعشن الحياة الكريمة.

باسم عابدي

مهتم بالتاريخ بصفة عامة، أطلقت "المكتبة الرقمية الأمازيغية" سنة 2013، وهي مخصصة لتاريخ وثقافة الأمازيغ. وساهمت سنة 2015 في تأسيس "البوابة الثقافية الشاوية"، المعروفة بـ إينوميدن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى