هل الناطق بالدارجة عربي؟ وهل المغاربة الناطقون بالفرنسية فرنسيون؟

يعتمد التعريبيون لتبرير تعريب هوية وحضارة بلدان وشعوب العالم الأمازيغي (Amaḍal Amaziɣ) على حجتين رئيسيتين يلجأون إلى واحدة منهما كلما خذلتهم الأخرى ويتقافزون بينهما كرا وفرا وجيئة وذهابا باستمرار وهما “الحجة العرقية” و”الحجة اللغوية”:

– الحجة العرقية: حيث أن التعريبيين يزعمون بأن “العرب عرق” وأن “الأمازيغ عرق” وأنه يوجد في المغرب “عرق عربي” جاء من الحجاز في قارة آسيا وأنه لا يجب تمزيغه ولا تجب مغربته. (طبعا لا يوجد شيء اسمه “عرق عربي” ولا “عرق أمازيغي”، وإنما توجد أعراق سوداء وبيضاء وسمراء وغيرها). ولكن هذه “الحجة العرقية” التي يروجها التعريبيون تخذل هؤلاء التعريبيين أنفسهم لأنها (داخل منطقهم العرقي التعريبي) لا تسمح لهم بتعريب كل المغرب ولا تخول لهم أن يزعموا بأن كل المغاربة عرب، وإنما تسمح لهم بتعريب جزء من المغرب فقط، وذلك لأنهم يزعمون أيضا بأنه يوجد بالمغرب شيء اسمه “العرق الأمازيغي” وشيء اسمه “العرق اليهودي” وشيء اسمه “العرق الأندلسي” وشيء اسمه “العرق الأفريقي”…إلخ. (وطبعا لا يوجد شيء اسمه “العرق الأفريقي” وإنما يوجد “عرق أبيض” و”عرق أسمر” و”عرق أسود” وغيرها من الألوان، وكلها أعراق وألوان أصيلة موجودة في القارة الأفريقية منذ قديم الزمان). كما أن هذه “الحجة العرقية” سرعان ما تنفجر في وجه التعريبيين لأنهم حين يزعمون بأن “الأمازيغية عرق” ويتهمون المدافعين عن الأمازيغية بأنهم “عنصريون يدافعون عن عرق أمازيغي” فإن التعريبيين يورطون أنفسهم في نفس التهمة لأنهم يزعمون بأن “العرب عرق” وبالتالي فلا مفر لهم من الاعتراف بأن “الدفاع عن العروبة هو دفاع عن العرق العربي”، ولن يجدوا مهربا من الاعتراف بأن المدافعين عن العروبة هم في الحقيقة “عنصريون يدافعون عن العرق العربي”. وتتضاعف مآزق التعريبيين مع نظريتهم العرقية التعريبية حين تؤدي إلى نتيجة نهائية وهي أن “التعريبيين يدافعون عن عرق أجنبي جاء من قارة آسيا ويريدون فرضه على المغرب والعالم الأمازيغي”. (مرة أخرى أكرر: لا يوجد “عرق عربي” ولا “عرق أمازيغي”). ولذلك فعندما يواجَه التعريبيون بهذه النتيجة المنطقية الصادمة لنظريتهم العرقية التي تجعلهم يسقطون في الحفرة التي حفروها لغيرهم فإنهم يتهربون من الموضوع تماما ويهربون (للتشويش وصرف الانتباه) إلى حجة تعريبية أخرى هي “الحجة اللغوية”.

– الحجة اللغوية: حيث أن التعريبيين يزعمون بأن كل من تحدث بالدارجة أو “العربية المغربية” فهو عربي وأن كل من كتب بالعربية الفصحى فهو عربي. ولكن هذه الحجة اللغوية أيضا تخذلهم لأنه توجد ملايين وملايين من المغاربة الذين يتحدثون باللغة الأمازيغية كلغة أم ويستعملون الدارجة والعربية الفصحى اللتين تعلموهما في المدرسة أو عبر التلفزة، ولأنه توجد ملايين من المغاربة الناطقين بالأمازيغية والدارجة بنفس المستوى كلغتين أمين (مثلا لأن الأب ناطق بالأمازيغية والأم ناطقة بالدارجة أو لأسباب أخرى). ولا يستطيع التعريبيون مواجهة معضلة “كيف أن الأب والأم الأمازيغيين الناطقين بالأمازيغية ينجبان طفلا عربي الهوية فقط لأنه ناطق بالدارجة؟!” أي “كيف ينجب الوالدان الأمازيغيان طفلا عربيا في المغرب؟!”.

وتتضح هذه المهزلة التعريبية أكثر عندما نطرح سؤالا آخر على التعريبيين يقول: “إذا هاجر مغربي ناطق بالأمازيغية من مدينة ناطقة بالأمازيغية إلى مدينة ناطقة بالدارجة فاعتاد هناك على الحديث مع الناس بالدارجة فهل هذا المغربي قد تحول فجأة من أمازيغي إلى عربي؟! وماذا لو رجع إلى مدينته الأولى الناطقة بالأمازيغية فأخذ يستعمل الأمازيغية مع السكان وتوقف عن استعمال الدارجة فهل تحول صاحبنا فجأة إلى أمازيغي مرة أخرى؟!”. عجيب حقا أمر هذا “التحول الهوياتي” الذي يؤمن به التعريبيون. ويذكرني هذا التحول بموضة حمقاء شاعت مؤخرا في أمريكا والغرب لدى كثير من المتحولين جنسيا والمضطربين نفسيا والعابثين الذين يزعمون بأن جنسهم (their gender) ليس بذكر دائما ولا بأنثى دائما ولا بخنثى دائما وإنما يتغير يوميا حسب مزاجهم، ويطلقون عليه Gender-fluid أو Gender-fluidity ويعني حرفيا “أن ذلك الشخص له جنس مائع سائل أو ديناميكي قد يكون ذكرا حينا ثم أنثى حينا آخر ثم خنثى ثم ديناصورا ذكرا أو أي شيء آخر يخطر له على البال في أي وقت”!

وبالإضافة إلى الأمازيغية، يوجد عدد كبير من المغاربة الذين يقرأون ويكتبون ويشتغلون ويتكلمون بالفرنسية مما يحولهم وفق المنطق التعريبي إلى “مغاربة فرنسيين”. وزيادة على ذلك فالفرنسية لغة رسمية للدولة المغربية على أرض الواقع وتستخدمها الدولة في إعلامها وكل إداراتها وتكتب بها كل وثائقها ولوحاتها الرسمية وحتى قوانينها وميزانيتها السنوية. وتستخدم كل الشركات المغربية الكبرى والمتوسطة الفرنسية كلغة رئيسية في مخاطبة الزبناء المغاربة وجها لوجه أو عبر التيليفون والإشهار التلفزي والمطبوع وفي اشتغالها الداخلي. وهذا كله يجعل الدولة المغربية وفق هذا المنطق التعريبي “دولة فرنسية” لا فرق بينها وبين السنغال والكونغو كينشاسا والجابون والكوت ديفوار ودولة هايتي في البحر الكاريبي بالإضافة إلى فرنسا نفسها طبعا.

وتصل سخافة هذه الحجة اللغوية التعريبية إلى مستوى كوميدي مضحك عندما ينقلب التعريبيون أنفسهم على اللغة الدارجة ويحاربونها بشراسة منقطعة النظير ويرفضون تدريسها كلغة مستقلة، وكذلك يرفضون تدريسها مع العربية الفصحى في كتاب مدرسي مشترك ويرفضون خلق لغة خليطة فصحى – دارجة، ويصرون على “تنقية الفصحى من العاميات”. ويتضايق التعريبيون أيضا من كثرة الدارجة في الملصقات الإشهارية والمسلسلات المدبلجة. التعريبيون يستخدمون الدارجة كدليل على العروبة ولكنهم يخونونها ويتخلصون منها بسرعة ويحاربونها كلما اقترح أحد تدريسها أو كتابتها. التعريبيون يرفضون بشدة “توسيخ” العربية الفصحى بالدارجة وكأن الدارجة طاعون أو فيروس أو كومة أزبال. بل إن التعريبيين يعتبرون اللغة الدارجة “ضرة” (زوجة ثانية) تنافس العربية الفصحى إذا تمت كتابتها، وهذا كله اعتراف منهم بأن الدارجة لغة مستقلة عن العربية أو مختلفة عن العربية أو غير عربية.

1) ما هو أصل الدارجة؟ وهل هي لغة أم لهجة؟

هناك، على الأرجح، أربعة آراء رئيسية حول أصل وطبيعة الدارجة:

– الرأي الأول: أن الدارجة تنحدر من فرع من فروع اللهجات العربية القديمة في آسيا. وطبيعتها الحالية: الدارجة لغة عربية مستقلة عن العربية الفصحى وعن العربيات الأخرى في آسيا ومصر. وأن الدارجة والعربيات الأخرى بقيت تتطور كلغات عربية مستقلة غير مكتوبة، أما العربية الفصحى (لغة قريش) فهي اللهجة العربية الوحيدة التي كتبت، ربما بتأثير من الآرامية السريانية أو الآرامية النبطية. أي أنه توجد بالمغرب لغتان عربيتان منفصلتان: اللغة الدارجة والعربية الفصحى.

– الرأي الثاني: أن الدارجة واحدة من اللهجات العربية القديمة التي أنتجت العربية الفصحى. أي أن العربية الفصحى خليط مكتوب من اللهجات العربية القديمة. وطبيعتها الحالية: الدارجة لغة عربية مستقلة عن العربية الفصحى ولكن الدارجة (بشكلها القديم) هي إحدى أمهات العربية الفصحى.

– الرأي الثالث: أن الدارجة لغة هجينة Hybrid language أو لغة مختلطة Mixed language أو لغة كريولية Creole language تكونت وتطورت بالمغرب وبقية البلدان الأمازيغية باختلاط لهجات عربية وافدة ولهجات أمازيغية محلية نطقيا ونحويا ومعجميا وتركيبيا. إلا أن الدارجة حاليا هي لغة مستقرة ومتناسقة ومنتظمة داخليا وذات قواعد نحوية فريدة خاصة بها ومتسقة بما يكفي لجعلها لغة مستقلة تقف على قدميها بنفسها. وهذا يعني أن الدارجة لغة قائمة بذاتها ومستقلة عن العربية الفصحى وعن اللهجات/اللغات العربية في آسيا (كالحجازية والسورية) ومستقلة عن الأمازيغية. بل إن اللغة الدارجة بلغت من الاستقلالية والنضج درجة أنه أصبحت لديها هي أيضا لهجاتها وفروعها الخاصة بها في المغرب (الدكالية، الجبلية، الشرقية، المراكشية، الحسانية). واختلاط لغتين أو أكثر قد ينتج “لغة مختلطة بدائية بسيطة” pidgin أو قد ينتج “لغة هجينة” creole ثم تترسخ قواعدها واستعمالاتها فتتحول إلى  “دارجة متداولة” vernacular أي لغة أم مكتملة الأركان للأجيال اللاحقة.

– الرأي الرابع: أن الدارجة مشتقة من العربية الفصحى. وطبيعتها الحالية: لهجة عربية تابعة للعربية الفصحى. والدارجة مع العربيات الأخرى في آسيا ومصر مجرد انحطاط للعربية الفصحى أو “مستوى سفلي متدن للعربية”. الدارجة مجرد لهجة منشقة عن العربية الفصحى وأصابتها تشوهات وتلوثات (الكلمات الأمازيغية والنطق الأمازيغي والتراكيب الأمازيغية).

التعريبيون يتبنون الرأي الرابع لأن الآراء الأخرى تعتبر الدارجة “لغة مستقلة” أو فرعا عربيا سابقا للعربية الفصحى أو فرعا مستقلا ومساويا للعربية الفصحى في الأهمية ومشروعية الوجود. كل رأي يساوي بين العربية الفصحى والدارجة في الأهمية والمشروعية هو اعتقاد محظور لدى التعريبيين لأنه يخرق “وحدانية العربية الفصحى” ولأنه “شرك بالعربية الفصحى” يجعل لها “ضرة منافسة” (زوجة ثانية). وقد أجمع فقهاء التعريب على ضرورة التصدي للدارجة ولكنهم اختلفوا في الكيفية. فمنهم من أفتى بضرورة إبادة الدارجة والإجهاز عليها بسرعة عبر طردها من الإعلام والإشهار والمدارس ومنع حبر المطابع عنها، ومنهم من يفضل تعريبها تدريجيا بإكثار الكلمات العربية الفصحى فيها وإنقاص الكلمات الأمازيغية فيها وتقويم “اعوجاج” كلماتها “المنحرفة”، ومنهم من يشفق على الدارجة ويرى أنه لا ضرر منها ما دامت متواضعة قانعة بمكانتها السفلية كلهجة ترطن بها الدهماء والغوغاء لا تكتب في الدواوين ولا تدرس في الكتاتيب، ولكن بشرط أن لا تتطاول الدارجة على العربية الفصحى وأن لا تتنازع معها حول الرياسة والخلافة.

2) التعريبيون يزعمون أن الدارجة دليل على عروبة المغاربة ولكنهم يحاربون الدارجة بشراسة:

يتفق التعريبيون على أن الحالة المثالية هي أن يتكلم المغاربة فيما بينهم بالعربية الفصحى (مثل مسلسل “الكواسر” السوري) أو بلغة أقرب إلى العربية الفصحى ما أمكن. وقد أجمع فقهاء التعريب على أنه يجب منع تدريس الدارجة ومنع كتابتها ومنع ترسيمها، وأنه يجب تركيز كل الجهود على نشر العربية الفصحى وحمايتها من الأخطار التي تتهددها من اللغات الأخرى الموجودة في العالم.

بقليل من التأمل والتحليل سنخلص إلى أنه لا غرابة في موقف التعريبيين المعادي للغة الدارجة لأنهم لا يعتبرونها لغة عربية حقيقية ولا حتى جزءا من العربية.

فلو كان التعريبيون يعتبرون الدارجة لغة عربية حقيقية لفرحوا فرحا عظيما بتدريسها وكتابتها ونشرها كلغة مستقلة شقيقة للعربية الفصحى، بل لكانوا في طليعة المدافعين عن كتابة وتدريس وترسيم اللغة الدارجة، ولساندوا أن تكون هناك مثلا نشرة تلفزية للأخبار بالدارجة مثل نشرات الأخبار التلفزية الأمازيغية والعربية والفرنسية والإسبانية. ما دامت الدارجة عربية فلماذا يحاربها التعريبيون؟! يحاربونها لأنهم يعرفون أنها خليطة غير كاملة العروبة. وإذا كانت الدارجة مجرد لهجة ضعيفة فلماذا يخاف التعريبيون منها؟! يخافون منها لأنهم يعرفون أنها لغة حية وحيوية وشعبية كالأمازيغية.

أما لو كانوا حقا يعتبرون الدارجة فرعا مغربيا للعربية أو “مستوى متدنيا سفليا للعربية” فلساندوا بكل حماس وسرور خلطها ودمجها مع العربية الفصحى في الكتاب المدرسي الموجه للطفل المغربي وإدماجها في المطبوعات الإدارية والصحفية والإبداعات الأدبية، مثلما يفرح أنصار الأمازيغية فرحا عظيما عندما يرون قاموسا أمازيغيا يشمل كل لهجات الأمازيغية أو كتابا مدرسيا أمازيغيا يدمج كل لهجات وفروع الأمازيغية مع بعضها البعض، ومثلما يدمج واضعو القواميس الإنجليزية كل الكلمات الأمريكية والبريطانية والكندية والأسترالية الفخمة والسوقية والنخبوية والعامية في نفس القاموس الإنجليزي. أما التعريبيون فإنهم يعتبرون دمج اللغة الدارجة مع العربية الفصحى كارثة الكوارث ومصيبة المصائب وعلامة من علامات الساعة.

إذن، رغم أن التعريبيين يزعمون ظاهريا أن الدارجة فرع للعربية أو لهجة عربية فإن نفاقهم ينفضح بألسنتهم عندما يحاربون الدارجة فعليا ويريدون منعها ويعارضون كتابتها وتدريسها ويعتبرون كل من يحاول الكتابة بها بشكل أكاديمي أو منتظم أو يحاول دمجها مع العربية الفصحى بأنه يتآمر على العربية الفصحى والإسلام وأنه عميل فرنسي متصهين.

الحقيقة التي يتهرب التعريبيون من الاعتراف بها هي أنهم لا يعتبرون أن الدارجة عربية قحة. التعريبيون يعتبرون الدارجة خطرا داهما على العربية الفصحى.

إن كون التعريبيين يعتبرون الدارجة لغة (أو لهجة) غير عربية أو ناقصة العروبة أو مشبوهة العروبة أو خليطا هجينا من العربية والأمازيغية هو سر محاربتهم الشديدة للغة الدارجة ورفضهم تدريسها وكتابتها كلغة مستقلة أو دمجها مع العربية المكتوبة الفصحى بالمغرب.

إذا سألت تعريبيا مغربيا: “هل تختار أن ندرِّس في مدارس المغرب اللهجة السورية بجانب العربية الفصحى أم أن ندرِّس الدارجة المغربية بجانب العربية الفصحى؟” فلا شك في أنه سيختار اللهجة السورية ويرمي الدارجة المغربية خلف ظهره لأن اللهجة العربية السورية أقرب إلى العربية الفصحى ولا تشوبها الكلمات الأمازيغية والنغمة الأمازيغية والتراكيب الأمازيغية وبقية التأثيرات الأمازيغية التي تزعج التعريبيين إزعاجا شديدا.

3) إذا كان الناطق بالدارجة عربيا فهل المغاربة والجزائريون الناطقون بالفرنسية فرنسيون؟

يزعم التعريبيون أن شمال أفريقيا عربية وأن عروبة المغرب والجزائر وتونس مبنية على انتشار اللغة الدارجة (أو “العربيا” Elɛeṛbiya) لدى جزء كبير من السكان، وكذلك على انتشار العربية الفصحى في المجال المكتوب عبر المساجد والكتاتيب، ولكنهم يتناسون الأمازيغية الأصلية ويتجاهلون الانتشار الواسع للفرنسية شفويا وكتابيا في معظم العالم الأمازيغي. فإذا كانت العربية الفصحى منتشرة في المساجد والكتاتيب فالفرنسية تسيطر في المغرب على الشركات والإدارات والجامعات والأبناك.

ويقول التعريبيون أيضا أن إهمال الأمازيغ عبر التاريخ الإسلامي للكتابة بالأمازيغية دليل على رغبة الأمازيغ في التعريب والاستعراب وخدمة العربية “وإلا فلماذا لم يكتبوا بالأمازيغية”؟! والجواب على هذا مرتبط بطبيعة الإسلام نفسه حيث أنه دين عربي لا تصح الصلاة فيه إلا بالعربية الفصحى التي هي لغة مقدسة في الإسلام (عكس المسيحية التي يمكن للمؤمن فيها الصلاة بأية لغة تعجبه، وليست لديها لغة مقدسة). فحتى الصلاة بالدارجة غير مقبولة في الإسلام فما بالك بالأمازيغية. وبسبب قدسية العربية الفصحى في الإسلام ركز الأمازيغ المسلمون (وكذلك الأقباط المسلمون والسريان المسلمون وغيرهم) على الكتابة بالعربية الفصحى وأهملوا لغاتهم الأصلية. لذلك انتشرت الكتابة بالعربية الفصحى وقلت المخطوطات القديمة المكتوبة بالأمازيغية (ولكنها موجودة وأشهرها “كتاب البربرية” الزناتي والمخطوطات السوسية).

وكنت قد تعرضت لموضوع الإسلام واللغة الأمازيغية في مقال سابق بعنوان “ما علاقة لغة الإسلام بقلة كتابة الأمازيغ بالأمازيغية؟”.

وكذلك كنت قد تعرضت لموضوع المخطوطات المكتوبة باللغة الأمازيغية في مقال سابق عنوانه “تاسرغينت Taserɣint اسم أمازيغي قديم للعربية”.

وبشكل عام فإن “الحجة اللغوية التعريبية” في حد ذاتها باطلة لأن اللغة لا تحدد الهوية الوطنية. فكم من بلد في أفريقيا وآسيا والقارتين الأمريكيتين ناطق بالإنجليزية والإسبانية والفرنسية والبرتغالية وفي نفس الوقت ليس إنجليزيا ولا إسبانيا ولا فرنسيا ولا برتغاليا ولا أوروبيا. ويتم استخدام تلك اللغات الأوروبية من طرف مواطني تلك البلدان الأفريقية والآسيوية والأمريكية كلغات رسمية في دساتيرهم وقوانينهم، ويتكلمون تلك اللغات في برلماناتهم وإعلامهم وأفلامهم وأغانيهم وفي مدارسهم بجانب أو بدون لغاتهم المحلية الأصلية. فهل تلك البلدان الأفريقية والآسيوية والأمريكية إنجليزية الهوية؟ إسبانية الهوية؟ إيبيرية الهوية؟ فرنسية الهوية؟ برتغالية الهوية؟ أوروبية الهوية؟ لا طبعا. تلك البلدان الأفريقية والآسيوية والأمريكية لها هوياتها القومية والوطنية المحلية الذاتية. وسكان تلك البلدان الأفريقية والآسيوية والأمريكية الناطقة باللغات الأوروبية لا ينسبون هوياتهم إلى أوروبا أو قوميات أوروبا وإنما ينسبون هوياتهم إلى أراضيهم وشعوبهم وأوطانهم (كما يفعل الأمريكيون والكنديون والأستراليون والبرازيليون حيث المهاجرون هناك هم الأغلبية)، أو ينسبون هويتهم الوطنية إلى قومياتهم وأوطانهم وحضاراتهم الأصلية (كما يفعل النيجيريون والكونغوليون والروانديون والسنغاليون والغانيون مثلا حيث السكان الأصليون هم الأغلبية). فاللغات الأوروبية المنتشرة في أفريقيا وآسيا وأمريكا هي مجرد بقايا ثقافية للاحتلال الأوروبي أو للاستيطان الأوروبي أو للتأثير الحضاري الأوروبي، ولا تحدد اللغات الأوروبية الهويات الوطنية أو القومية لبلدان وشعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا.

والمغرب نفسه شعبا ودولة يعامل الفرنسية كلغة رسمية كاملة الرسمية. ولم أسمع يوما عن مظاهرة شعبية واحدة تطالب بإزالة الفرنسية من المغرب أو بتعويضها بالإنجليزية مثلا. والدولة تدرس الفرنسية بشكل إلزامي وتكتب بها كل شيء في الإدارات والإعلام. بل إن كثيرا من مصالح الدولة لا تشتغل إلا بالفرنسية. والاقتصاد المغربي في مستوييه المتوسط والعالي لا يشتغل إلا بالفرنسية. فالفرنسية في المغرب ليست لغة موجهة للسياح بل هي موجهة للداخل. وزد على ذلك أن المغاربة يخلطون في كلامهم اليومي بين الفرنسية والدارجة والأمازيغية ويقحمون مئات الكلمات والعبارات الفرنسية ويحرصون على نطقها ما أمكن بنطقها الفرنسي الأصلي. هل هؤلاء “مغاربة فرنسيون” بما أن التعريبيين يزعمون أن الناطقين بالدارجة “مغاربة عرب”؟! طبعا لا.

وفي الجزائر نجد حالة أقوى في التفرنس اللغوي الرسمي والشعبي مقارنة بالمغرب. فالجزائريون قد بلغوا مرحلة تقترب من استخدام الفرنسية كلغةٍ أمّ بجانب الدارجة الجزائرية والأمازيغية الجزائرية. إذ أن استخدام الفرنسية في الجزائر بكثافة في الكلام اليومي لا يقتصر على المتعلمين (كما في المغرب) بل يشمل الأميين وضعيفي التعليم أيضا. وفي الجزائر العاصمة ومدن منطقة القبايل يتكلم الشباب هناك بالفرنسية بشكل شبه كامل. نتحدث هنا عن ملايين الجزائريين. وبالاستماع عبر راديو أو تلفزة الجزائر لبضع دقائق إلى التعليقات العفوية والتلقائية للجزائريين ستلاحظ أن هؤلاء يتحدثون الفرنسية تقريبا كلغة أولى يتقنونها أحسن من الدارجة والأمازيغية بسبب كثرة وكثافة الجمل الفرنسية الكاملة التي يستخدمونها في الدردشة والتعبير عن كل شيء. والجزائريون معروفون بأنهم لا يخجلون من الإجابة بالفرنسية وأمام الكاميرا على سؤال مطروح بالعربية أو الدارجة أو الأمازيغية، فذلك شيء طبيعي ومقبول في ثقافتهم. هل هؤلاء الجزائريون الناطقون بالفرنسية فرنسيون؟! طبعا لا.

4) من هو المغربي ومن هو الأمازيغي؟ وما هي لغته وهويته؟

هوية المغاربة لا تتحدد باللغات التي يستعملونها أو الأديان التي يتبعونها وإنما تتحدد بأرضهم وتاريخهم وجغرافيتهم. لذلك فهوية المغاربة الوطنية القُطْرية هي “الهوية المغربية” المتحددة بحدود “الوطن المغربي” (Tamurt en Murakuc) الذي تشكل لأسباب وظروف سياسية وجغرافية قديمة وحديثة.

أما هوية المغاربة التاريخية الجغرافية الحضارية العميقة والشاملة فهي ولا شك الهوية الأمازيغية، حيث أن المغاربة جزء من “الشعب الأمازيغي” (Aɣref Amaziɣ) الذي له وجود سابق للدول الحالية والحدود الترابية الحالية بينها. فمدينة وجدة Wejda ومدينة تلمسان Tlemsan تعاقبت عليهما عدة دول أمازيغية بعضها شرقي (نوميدي/جزائري) وبعضها غربي (ماوريتاني/مغربي) فمن هم سكان منطقة وجدة وتلمسان عبر التاريخ؟ هل هم جزائريون أم مغاربة؟ الجواب: لا معنى لذلك لأن “المغرب” و”الجزائر” يفقدان معناهما في التاريخ فلا تبقى لأهل وجدة وتلمسان إلا الصفة الأمازيغية لأنها هي الوعاء التاريخي الحضاري الجامع والأقدم والأعم.

وأرض المغرب جزء من الأرض الأمازيغية (Akal Amaziɣ) التي هي مجموع بلدان شمال أفريقيا التي كانت تتحرك عبرها القبائل الأمازيغية بحرية وتدافع عنها ضد الأجانب.

المغربي هو ساكن المغرب (Murakuc). والأمازيغي هو ساكن ثامازغا (Tamazɣa) أو ساكن أحد “البلدان الأمازيغية” (Timura Timaziɣin). وبما أن المغرب جزء من العالم الأمازيغي فهذا يعني أن المغرب أمازيغي بمجمله مثل الجزائر (Dzayer) وثونس (Tunes) والبقية. وهذا يعني أن كل مغربي هو بالضرورة أمازيغي مهما كان لون بشرته أو لغته أو لهجته أو ديانته أو مذهبه أو أصل أجداده المحليين أو الأجانب. فالهوية الأمازيغية ليست مبنية على العرق (اللون) ولا على النسب العائلي.

واللغة الأمازيغية (Tutlayt Tamaziɣt) هي اللغة الأصلية للمغرب ومن الطبيعي أن يتم تعليمها لكل طفل مغربي وأن يتعلمها كل من يزعم أنه “مغربي” إذا فاته تعلمها في طفولته. ورغم أن اللغة لا تحدد الهوية إلا أن اللغة تختزن معلومات تذكر الشعب بهويته. كما أن وجود لغة شعبية أخرى بالمغرب هي اللغة الدارجة بلهجاتها (الدكالية، المراكشية، الجبلية، الشرقية، الحسانية) يجعل تلك اللغة الشعبية تستحق أيضا التدريس والرعاية بجانب الأمازيغية وأيضا بجانب لغات أخرى يريدها جزء مهم من الشعب لأسباب دينية (العربية الفصحى) أو يحتاج إليها الشعب لمنافع اقتصادية وتجارية وعلمية (الإنجليزية).

5) استعمال العربية لا يجعل المغاربة عربا واستعمال الفرنسية لا يحول المغاربة إلى فرنسيين:

“الحجة اللغوية التعريبية” ساقطة وباطلة لأن استعمال اللغة الدارجة أو استعمال العربية الفصحى لا يجعلك عربيا. وإنما الذي يجعلك عربيا هو أن تعيش بشكل دائم في بلاد العرب التي هي شبه الجزيرة العربية وأن تكون جزءا من أحد الشعوب العربية في السعودية وقطر والإمارات. وكذلك في المغرب والجزائر يتم استخدام الفرنسية بكثافة كلاميا وكتابيا ومدرسيا وإداريا ورسميا وشعبيا ولكن ذلك لا يجعل المغاربة والجزائريين فرنسيين. الذي يجعلك فرنسيا هو أن تعيش بشكل دائم في فرنسا وتكون جزءا من الشعب الفرنسي. وكذلك فالأمريكي أو النيجيري أو الأيرلندي الناطق بالإنجليزية كلغة أم أو كلغة رئيسية ليس إنجليزي الهوية ولا جرماني الهوية. ولكي يكون إنجليزي الهوية يجب عليه أن يكون جزءا من الشعب الإنجليزي ويعيش في بلاد الإنجليز التي هي England. ولكي يكون جرماني الهوية يجب عليه أن يكون مواطنا من أحد الشعوب الجرمانية كالألمان والهولنديين والإنجليز والدانماركيين ويعيش بشكل دائم في بلاد الجرمان التي هي شمال أوروبا. إذن فصاحبنا الأمريكي هو أمريكي الهوية وليس إنجليزي الهوية ولا جرماني الهوية ولا أوروبي الهوية. وصاحبنا النيجيري الذي يتقن الإنجليزية كلاما وكتابة ليس إنجليزي الهوية بل هويته نيجيرية أو هويته هي قومية الهاوسا Hausa الأفريقية أو قومية اليوروبا Yoruba الأفريقية أو قومية الإيگبو Igbo الأفريقية وكلها شعوب أصلية في منطقة نيجيريا مثل الشعب الأمازيغي في الشمال، والدستور النيجيري يعترف بأربع لغات رسمية للبرلمان وهي الإنجليزية ولغة Hausa ولغة Igbo ولغة Yoruba ولكنه يعطي الأولوية للإنجليزية. وأما صاحبنا الأيرلندي الناطق بالإنجليزية فهو أيرلندي الهوية أو كلتي Celtic الهوية (نسبة إلى الشعوب الكلتية) وليس جرمانيا ولا إنجليزيا. ودستور جمهورية أيرلندا يعترف باللغتين الأيرلندية (الكلتية) والإنجليزية كلغتين رسميتين. استعمال الأمريكيين والنيجيريين والأيرلنديين للغة الإنجليزية لا يغير شيئا من هوياتهم الوطنية لأنهم لا يعتبرون أنفسهم إنجليزا ويؤسسون هوياتهم على أساس أوطانهم وشعوبهم وليس على أساس أوطان الأجانب والشعوب الأجنبية.

لا تستطيع لغة أجنبية تغيير أو طمس الهوية الوطنية لبلد غير بلدها الأصلي إلا في حالات الاستلاب (كأن ينكر شعب بأكمله هويته التاريخية ويهمل لغته ويتبنى هوية أجنبية) أو في حالة النسيان أو الإهمال أو انقراض الشعب الأصلي (بالهجرة أو الموت) أو انقطاع تدريس وتوريث اللغة الأصلية والهوية الأصلية. وهنا تموت الهوية واللغة الأصلية معا وتموت الذاكرة الجماعية للشعب ويتم محو تاريخه واستبداله بهوية أجنبية أو هوية جديدة تماما، ثم يتم الاستيلاء على تراكمات الحضارة المحلية ونسبتها إلى شعب آخر وهوية أخرى أجنبية أو جديدة.

وهذا المحو والطمس الهوياتي باستعمال التعريب اللغوي (وباستعمال الإسلام وباستعمال خرافات العرق) هو ما يحاول التعريبيون إنجازه من أجل طمس ومحو الأمازيغية واستبدالها بالعروبة، يساعدهم في ذلك الأمازيغ الذين يهملون الكتابة والإبداع بلغتهم الأمازيغية رغم توفر الوسائل والتكنولوجيات الرخيصة في كل مكان.

مبارك بلقاسم-المغرب 
tussna@gmail.com