التاريخ القديم

ماسنسن، من استعادة حقّه في العرش الماسيلي إلى بناء الوحدة النوميدية

مقدمة

الواقع أنّ تاريخ أفريقيا الشمالية انطلق من هنا، من هضبة طاسيلي ناجّر (Tassili N’Ajjer) من تلك الحضارة التي هي أوّل حضارة صورة في تاريخ البشرية، وإذا كانت مصادر التاريخ النوميدي قد أتلفتها أيدي الغزاة فإنّ من غير الموضوعي نفْي وجود هذا التاريخ والقفز عليه لجعل تاريخ الأجانب المستوطنين تاريخا “وطنيا” لهذه البلاد، وهو ما لم نجده لدى أيّ أمّة حيّة.

عندما وصل البحارة الفينيقيون إلى السواحل الأفريقية وجدوا مجتمعا قائما بنظمه الاجتماعية والسياسية، وبأعرافه وتقاليده ومعتقداته، ولقد كانت قرطاج وهي أكبر مصارفهم، عبارة عن قاعدة تجارية مستأجرة مقابل إتاوة تدفعها سنويا إلى ملوك البلاد، وعندما كانت هذه المدينة تنمو عمرانيا وديمغرافيا واقتصاديا كان ذلك بفضل سكّان البلاد الذين تعود إليهم أفرقة قرطاج (Africanisation de Carthage)، بحيث كان العنصر الفينيقي في المدينة لا يمثل سوى أوليقارشية تجارية حاكمة أما المجتمع في عمومه فكان أفريقيّا ماسيليّاً.

يكون قد تعاقب على حكم المملكة – التي وجدها بحارة صور قائمة- ملوك عديدون متسلسلون من يارباس (Hiarbas) إلى قايا (Gaïa) على امتداد فترة طويلة (814 ؟- 206 ؟ ق.م.) ولكن لا نعرف عنهم شيئا، لأنّ المصادر الأفريقية تعرّضت للتلف، خاصّة في أعقاب تدمير قرطاج وحرق مكتبتها، وبالمقابل فإنّه منذ بداية الحروب البونية حملت إلينا المصادر الإغريقية واللاتينية معلومات مهمّة عن الشمال الأفريقي عموما وعن مملكة وملوك الماسيل على وجه الخصوص.

رغم أنّ الملك ماسينيسا حظي بمكانة بارزة في تلك المصادر إلاّ أنّ العديد من التفاصيل الهامّة المتعلّقة بظروف اعتلائه العرش – وعلى الخصوص الظروف المحيطة بإقصائه وسلب حقّه في الحكم – لا تزال حبيسة تلك المصادر، لأنّ الذين يريدون تحميل الأقليذ الماسيلي مسؤولية مصير قرطاج ليس من مصلحتهم إبراز التفاصيل المتحكمة في سير الأحداث التي قلبت التحالفات في المنطقة، ولذلك كنّا نطرح سؤالا مركزيا وهو لماذا يتحالف ماسينيسا مع الرومان وهو من كان على رأس جيش ملكي ضدّهم إلى جانب قرطاج؟ وكنّا نرى أنّ اختزال التاريخ في قضية التحالف دون امتلاك كلّ تفاصيل وملابسات وظروف الموضوع سيؤدّي إلى إصدار حكم مغرض وناقص، وإذا كانت للحروب مسوّغاتها ومبرّراتها فأين المسوّغ والمبرّر والحكمة في غدر أشفاط قرطاج بماسينيسا الذي حارب على رأس جيشه في إيبريا إلى جانبهم بل وضرْبه بمن كان يحارب في صفّ الرومان ضدّهم ؟ وهل من الحكمة إهدار القدرات القتالية بإثارة النزاع بين الماسيل والماسيسيل من قبل أشفاط قرطاج ؟ وهل أبقى هؤلاء على شيء يمكن أن يصون التحالف بينهم وبين جيرانهم الماسيل … ؟ هذه هي التساؤلات التي نحاول الإجابة عنها في هذا المقال.

نشأة مملكة الماسيل

تكون مملكة الماسيل(1) قد انبثقت من المثلث الواقع ما بين المدن الثلاث: تيفست ودوقة وسيرتا، فهذه المدن الداخلية الثلاث هي أقدم مدن الشمال الأفريقي القديم وإذا كانت معالمها النوميدية قليلة وأهمّها ضريح دوقة وضريح مدغاسن وضريح الصومعة فإنّها على قلّتها كافية لتكوين صورة على المستوى الحضاري الذي بلغته هذه المملكة.

هذه المعالم تحمل دلالات كثيرة معمارية وسياسية… فضلا عن الدلالات الدينية، تجعل تاريخ المنطقة أوسع وأغنى من تلك الإشارات المقتضبة التي فلتت من أقلام الكتّاب الإغريق والرومان، وهي الإشارات التي سهّلت على المعادين لتاريخ الشمال الأفريقي مهمّة طمس هذا التاريخ، ليصلوا أخيرا إلى أنّه (الشمال الأفريقي) آخر بلد دخل التاريخ، وفي نظر هؤلاء يكون القطب الشمالي قد دخل التاريخ قبل منطقتنا وأكثر من ذلك يريدون إقناعنا أنّه لولا تلك “اللفتة الكريمة” من أولئك البحارة الفينيقيين لظلّت في سباتها خارج التاريخ(2).

كانت مملكة الماسيل -التي نشأت قرطاج على أرضها- تمتدّ من الوادي الكبير غربا (Ampsaga) إلى طرابلس شرقا، وكانت لها عواصم ملَكية عديدة، وأقدم ملك لها ورد ذكره في المصادر هو يارباس(3) (Hiarbas) الذي منح للاجئين فينيقيين – تقودهم امرأة اسمها إليسا (Elissa)- امتياز تأسيس مركز تجاري هو قرطاج(4)، ويدل تكرار اسمه في سلالة الملوك النوميد على أنّه من أسلافها(5)، كما أنّ وجود ملك في تلك الفترة دليل على قدم الأنظمة السياسية في الشمال الأفريقي القديم(6)، وإذا كان تاريخ ظهور وانتظام هذه المملكة غير معروف بسبب ضياع الوثائق التي تكون قد سجلت ذلك فإنّ الوضع الذي كانت عليه خلال تأسيس قرطاج وخاصّة أثناء الحرب البونية يدلّ من خلال المصادر الأدبية والأثرية على بلوغها مستوى حضاريا هامّا.

تساءل اقزال عن حقيقة أن يكون الأوراس هو مهد الأسرة الملكية الماسيلية مشيرا إلى ضريح مدغاسن، وأنّه موطن القبائل النوميدية الجيتولية وقاعدة خلفية للمقاومة على امتداد التاريخ القديم، وأنّه بلد الموسولام وزعيمهم تاكفاريناس، وما إقامة معسكر لامبيس خلال الفترة الرومانية في تلك المنطقة إلا لتمركز مقاومة شرسة فيها استلزمت إقامة مثل ذلك المعسكر(7).

ثاني ملك ذكرته المصادر هو أيليماس (Ailymas)(8) ، والثالث هو قايا (Gaïa) في إشارة تدلّ على أنّه من سلالة ملَكية حاكمة على امتداد أجيال، وقايا هذا هو والد الملك ماسينيسا كما هو معروف(9).

كان ماسينيسا ما بين 212 أو 211 إلى 206 مقيما على رأس جنده في إسبانيا، وكان خلالها يعود إلى بلده لبعض المسائل التي تهمّه أو لنقل المجنَّدين إلى جبهة القتال في إسبانيا(10)، وطيلة هذه الفترة كانت مملكة الماسيل حليفة لقرطاج.

ظروف اعتلاء ماسينيسا عرش الماسيل

عند وفاة والده قايا(11)، كان ماسينيسا (207 ق.م.) في حوالي الثلاثين من عمره، وحسب القاعدة الأغناطية(12) فإنّه لم يكن مؤهَّلاً لتولي العرش الذي استلمه عمّه أوزالاس (Oezalès)، وتسارعت الأحداث بعد ذلك فما لبث هذا الأخير أن توفّي بعد أخيه قايا بمدّة وجيزة، فاستلم العرش ابنه البكر كابوسا (Capussa) وكان دون ريب أكبر سنّا من ماسينيسا، وإلى هنا كانت مسألة انتقال السلطة عادية، ولكن ما هو غير عادي هو أن تخرَق هذه القاعدة، فيستلم العرش الماسيلي لاكوماز (Lacumazès) ابن كابوسا وكان أقلّ سنّاً من ماسينيسا ولكنه كان مدعوما من شخصية قوية هو ماس ايتول (Mazaetull) وهو ما اعتبره ماسينيسا -الذي أصبح هو المؤهّل- خرقا للعُرف واعتداءً على حقّه في العرش بعد أن توفّر فيه شرط السنّ(13).

عندما بلغه خبر وفاة عمّه ثُمّ ابن عمّه، قرّر ماسينيسا العودة إلى مملكة والده، وانطلق من قادس (Cadès) احتمالا في خريف 206 ق.م.، وعبر بجيشه المضيق إلى مملكة المور، فاستقبله ملكها باقا (Baga) بحفاوة، ووضع 4000 جندي موري في خدمته يرافقونه حتى وصوله إلى حدود مملكته(14)، ولا تخبرنا المصادر عن موقف سيفاكس الذي يفترض أن يستقبله عند حدود مملكته وأن يفعل مثل الملك الموري باقا، كما تنصّ التشريفات والتقاليد الملَكية، وإذا لم يتمّ ذلك فهو دليل على توتُّر العلاقة بين الطرفين ولكن ذلك التوتُّر لم يكن قد وصل حينذاك حدّ إعلان الحرب بينهما ليبقى كلّ طرف ملتزما بالحذر، وتبدو الخطورة في نوايا القائد القرطاجي باسبانيا الذي تقول المصادر أنّه أرسل سرية فرسان لمرافقة ماسينيسا في العودة إلى مملكة والده وأعطى أمرا لهم باغتياله في الطريق، ويبدو أنّ ماسينيسا أحسّ بالمؤامرة فاحترس من تلك السرية(15).

عند وصوله حدود مملكته وجد في استقباله حوالي 500 فارس من رعايا المملكة، ورأى أنّه عدد كافٍ لمواجهة الوضع، فشكر الفرسان المور الذين رافقوه وطلب منهم العودة، ويكون قد وجّه نداء إلى جميع أنصاره والمخلصين لوالده بالانضمام إليه، وعقد العزم على افتكاك حقّه بالقوّة وبخبرة رجل عسكري كان يعرف أنّ انتصاره سيكون الورقة الرابحة التي تجلب له المزيد من الأنصار، وكان لاكوماز حينئذ قد انطلق من ثابسوس (روسيكاد) للالتحاق بسيفاكس في سيرتا، وفي طريقه وعلى حين غرّة هاجم ماسينيسا خصمه، فتشتّت جيش لاكوماز الذي لم يكن مستعدّا، بعضه أسرع للدخول إلى المدينة والبعض الآخر استسلم، أمّا الملك لاكوماز فقد أسرع للالتحاق بسيفاكس تحيط به نخبة من حرسه، وانتشر خبر انتصار ماسينيسا فاسترجع ثقة رعايا والده الذين التفّوا حوله، وفرّ لاكوماز باتجاه قرطاج، ولكن ماسينيسا رأى من الحكمة أن يصالح ابن عمّه وأن يقطع على الطغمة التجارية في قرطاج الخطط التي رسمتها ليظلّ الخلاف قائما بين أفراد الأسرة الملكية الماسيلية، فأرسل إلى لاكوماز وإلى ماس ايتول يطلب منهما نسيان الماضي وأنّه سيعيد إليهما ممتلكاتهما فقبل الاثنان عرضه وتمّ الصلح رغم ما حاكته قرطاج من مكائد.

انفلتت الأوضاع وقامت الحرب الأهلية بين الطرفين، وانتصر ماسينيسا لأنّه كان الأقوى عسكريا بفضل خبرته الحربية، لكن انتصر بقوّة الحقّ أيضا، والمرجَّح أنّه كان مدعوما من شعبه الذي يكون قد حرّكه وازع العدل للوقوف إلى جانبه ممّا يسّر له النصر(16)، فاستردّ حقّة واعتلى العرش الماسيلي(17).

انتصر ماسينيسا إذن، ولم يتحقّق ما كانت قرطاج تهدف إليه، وهو ما جعل صبرها ينفد، لتخرج عن صمتها هذه المرّة وتعلن قلب التحالف القائم، فألغت تحالفها مع جارتها المملكة الماسيلية، ورأت أنّ الوقت حان لتضرب الملك الطموح ماسينيسا بسيفاكس، فأقدمت على التحالف مع سيفاكس الذي كان يقاتل في صفوف الرومان ضدّها(18)، ومع أنّ هذه الخطوة ستؤدّي إلى عودة الوحدة بين ماسيليا وماسيسيليا وبروز نوميديا موحّدة من جديد وهو وضع لا تطمئنّ إليه حكومة قرطاج كثيرا، إلاّ أنّ ذلك في نظرها سينهك الطرفين، كما أنّه يمثّل أهون الضررين، لأنّ سيفاكس المتقدّم في السنّ يمكن احتواؤه أمّا ماسينيسا الفتيّ فلا حدّ لطموحه.

دور قرطاج

ابتدأت قرطاج كما أشرنا بداية متواضعة كقاعدة تجارية -على إقليم الدولة الماسيلية – مؤجّرة من الملوك الماسيل ولكنها أخذت تنمو تدريجيا دون أن يكون لها منافس بعد تراجع دور غريمتها أوتيكا المجاورة لها، وبعد أن اغتنت من التجارة البحرية التفتت الأوليغارشية التجارية بها نحو الداخل وأخذت تتوسّع بشراء الأراضي، في حوض مجردة الأدنى وشبه جزيرة رأس بونة (Cap bon) إلى جهات بنزرت (Hippo Diarrhytus)،وتجاوز هذا التوسّع إطار الانتفاع الاقتصادي إلى السيطرة السياسية وهذا من شأنه أن يحدث اضطرابا في العلاقة بين قرطاج والمملكة الماسيلية،ولعلّ هذا هو أحد أسباب ذلك الخلاف الذي أشارت إليه المصادر بين قايا وجيرانه البونيين، فقرطاج التي ظلّت كما نقول اليوم “منطقة تجارية حرّة” تحوّلت إلى قوّة سياسية وقطعت عن المملكة الماسيلية الإتاوة التي كانت تدفعها لها، ومن شأن هذا التحوُّل أن يحدث بين الطرفين خلافات عديدة أهمّها النزاع على الحدود.

لعلّ قرطاج كانت تنظر بعين الرضا عن ملوك الماسيل المتقدّمين في السنّ مثل أوزالاس وابنه كابوسا اللذين اعتليا العرش تباعا بعد وفاة قايا، وتكون هي من حرّك الرجل القوي في الأسرة المالكة: ماس ايتول، لدعم الملك الشابّ لاكوماز (Lacumaze) (19) الأخ الأصغر لكابوسا، الذي تكون قد ارتضته واطمأنّت إليه ولضمان الحماية له، وبالتالي قطع الطريق على الأحقّ بالعرش وهو ماسينيسا بسبب تكوينه العسكري وكفاءته السياسية بل وطموحه الذي لم يكن خافيا على ساسة قرطاج.
إذن تكون قرطاج قد وضعت الملك الطفل لاكوماز وحاميه ماس ايتول في طريق ماسينيسا، واطمأنّت إلى أنّ العرش الماسيلي بتنفيذ تلك الخطّة إن لم ينهار سيتفكّك – في جميع الاحتمالات- ولعلّ ذلك ما كان ليخفى على ماسينيسا وهو من كان ضمن الجيش القرطاجي في إسبانيا، ممّا يجعله مطّلعا على مرامي القيادات البونية، خاصّة وأنّ الحسد الذي يثيره القائد المنتصر متأصّل في النفوس، ولعلّه كان يتوقّع أيضا مثل هذه المواقف من الأوليغارشية القرطاجية التي كانت على خلاف مع والده، رغم الخدمات التي أسدياها لها، وذلك يزيد من احتراسه واستعداده لمواجهة أيّ طارئ.

لعلّ ماسينيسا العائد من جبهة الحرب، ما كان يرتضي لمملكة والده أن تؤول إلى ملكٍ طفل وكفيل مناوئ، وأنّ الآفاق التي يرنو إليها تتجاوز هذا الوضع بكثير، وهو يرى كيف يحارب الرومان لمدّ سلطانهم، وكيف تقاوم قرطاج للاحتفاظ بامتيازاتها، وكيف ساهم في صنع النصر للآخرين الذين لم يتردّدوا في الغدر به وممالأة خصومه، وفي هذه الأجواء تكون قد اختمرت في ذهنه فكرة نوميديا الموحّدة بل أفريقيا القوية التي يمكن لها ذات يوم أن تقف على قدم المساواة مع روما، وتلك هي الإرهاصات التي يختصرها الشعار الذي أطلقه فيما بعد وهو أفريقيا للأفارقة.

اندلاع الحرب بين النوميد الماسيل والماسيسيل

كان التحالف بين قرطاج وسيفاكس بمثابة الضوء الأخضر له لمهاجمة المملكة الماسيلية وضمّها إلى مملكته والقضاء على ماسينيسا والأسرة الملَكية الماسيلية، بمباركة من الأرستقراطية المركانتيلية القرطاجية، وعندما كان ماسينيسا في منطقة السهول الكبرى منهمكا لردّ عدوان قرطاجي عليها(20)، كان سيفاكس -بإيعاز من قرطاج- يكتسح بجيشه إقليم المملكة الماسيلية من الغرب، ليستولي على عاصمتها سيرتا، وواصل جيش سيفاكس زحفه باتجاه ماسينيسا وعلى رأسه كبير قادته وهو بوكار (Bucar) (21) الذي حقّق انتصارا خاطفا على ماسينيسا، هذا الأخير لم يبق معه إلاّ عدد محدود من نخبة الفرسان، فانسحب إلى جبل واحتمى به(22)، أمّا بوكار فسرّح أغلب جنده، واستبقى معه نخبة من المشاة تكفيه لإتمام مهمّته، عددها 500 وأخرى من الفرسان عددها 200 ، وقام بتتبّع الملك وإحكام الحصار عليه وعلى من معه في خانق، لكن الملك تمكّن من الإفلات، صحبة عدد من فرسانه لا يتجاوز الخمسين، واخترق السهول الكبرى باتجاه قليبية (Clupea)، فتعقّبه بوكار وحاصره فقتل جميع من معه، ولم ينج سوى أربعة أحاطوا بماسينيسا وهو جريح وفرّوا به فاعترضهم نهر وكان لا بدّ من العبور ولكن اثنان منهم غرقوا تحت بصر الماسيسيل الذين ظنّوا أنّ ماسينيسا غرق هو الآخر، فلماّ شاهد بوكار ذلك تأكّدت لديه وفاة ماسينيسا غرقا، ورأى أنّه من غير المجدي المغامرة بعبور النهر، وعاد أدراجه إلى سيفاكس وأخبره بموت ماسينيسا، واتجه الجميع إلى قرطاج حيث استقبل سيفاكس بحفاوة.

كان ماسينيسا قد تمكّن من النجاة صحبة اثنين والوصول بسلام إلى الضفّة الأخرى للنهر، واختبأ في أدغالها، حتّى التأمت جروحه، وبعد ذلك خرج من مكمنه وتمكّن خلال أيام من جمع أربعين فارسا، سار بهم نحو مداشر الماسيل وأظهر نفسه لهم فعرفوه وأثناء ذلك جمع حوالي 6000 من المشاة و4000 من الفرسان، وأخذ في الاتصال بأنصاره الأوفياء له ولذكرى والده، وخاصّة في جهة السهول الكبرى التي يكون أهلها من النوميد قد راهنوا عليه لاسترداد ملكياتهم التي اغتصبها القرطاجيون وكانت دائما بؤرة الخلاف بين الطرفين، وسيكون الانطلاق في استرداد عرشه من تلك المنطقة باتجاه هيبون وسيرتا، ووجد في المنطقة البونية الغنية فرصة للحصول على غنائم لتمويل مشروع استرجاع عرشه.

تنبّه سيفاكس إلى الخطر الذي يهدّد أمنه فقرّر هذه المرّة أن يقوم بقيادة جيشه بنفسه، مع إشراك نجله ورمينا (Vrmina)، وكانت خطّته أن يسير جند ورمينا ليلا وأن يزحف هو في النهار ، وهي الخطّة التي نجح بها لأنّ ماسينيسا لم ينتبه إلى خطّة خصمه وهوجم جيشه من الجهتين ولم يتمكّن الماسيل حتّى من النجاة فرارا فقتل أغلبهم وأسر الباقي، ولم يبق مع ماسينيسا سوى مائتي فارس وفي خضمّ الحصار كان عليه أن يفتح ثغرة في جيش الخصم ليتمكّن من الانسحاب والنجاة فقسّم فرسانه إلى ثلاث فصائل وأمر كلّ واحدة بفتح ثغرة في صفوف العدو محدّدا مكان اللقاء ولم تنجح في اختراق الحصار سوى الفصيلة التي يقودها ماسينيسا والفصيلتان الأخريان إحداهما سحقت بعد دفاع مستميت والأخرى استسلمت، وتعقّب ورمينا الفارّين ولكن لم يلحق بهم، وانتصر سيفاكس انتصارا ساحقا هذه المرّة أكبر من السابق، وأصبح على رأس مملكة شاسعة تمتدّ من مولوشا إلى حدود القطر القرطاجي(23)، واحتفل بالزواج من صوفونيسبة ولينال رضا أصهاره تنازل لهم عن المنطقة التي كانت قرطاج تدّعي أنّ قايا انتزعها منها.

نجا ماسينيسا إذن من موت مؤكّد ووصل منطقة السيرت ليكون في تلك الجهة البعيدة في مأمن من سيفاكس والقرطاجيين وأنصارهم. ولم يبق معه أكثر من 50 فارسا، ويكون قد استقرّ بجبل نفوسة ما بين مدن السيرت وبلاد القرامنت وقد وجد ماسينيسا لدى هؤلاء حسن الاستقبال، والاستعداد للتعاون معه ضدّ سيفاكس المدعوم من قرطاج والمنفّذ لسياستها(24) التي خطّطت لها منذ أن أثبت ماسينيسا في إيبريا تفوُّقا عسكريا لصالحها، بحيث توجّست منه الطغمة التجارية البونية خيفة، لأنّها كانت لا ترتاح إلى جار قوي له أفضال عليها مثل ماسينيسا، الذي انتهت مهمّته في نظرها بعودته من إسبانيا، وفي نظرها أيضا أنّه استهلك دوره ولا بدّ من التخلّص منه بأيّ وسيلة وأولها تحريك نار الغيرة والعداوة بينه وبين مرشّح جديد لصداقتها يمكن توظيفه لفترة مثل ماسينيسا إلى أن يستهلك دوره هو الآخر ليكون مصيره مثل مصير الأول(25)، ويعرف المطّلعون أنّ ذلك الزواج السياسي الذي عقد قرانه بين سيفاكس والجميلة صوفونيسب(26) كان الطعم الذي اصطاد به أشفاط قرطاج حليفهم الجديد، الذي لن يتردّدوا عند نهاية المهمّة المنوط بها في الغدر به كسابقه.

من منفاه في بلاد القرامنت عمل ماسينيسا على تكوين جيش جديد، وهو الذي خبر الحروب وتمرّس في فنون القتال ومن هناك يكون قد اتصل بأنصاره لتجميعهم من جديد، ويكون قد أقام هناك طيلة سنة 204 ق.م.، يراقب الوضع وتطوّرات الحرب البونية، وكان سيبيون “الأفريقي”(27) الذي عاد من إسبانيا إلى روما سنة 206 ق.م. -حيث انتخب قنصلا، وباشر وظيفته منذ 15 مارس من نفس السنة- يفكّر في نقل الحرب إلى أفريقيا(28)، وكان يفكّر في أهمّية التحالف مع أحد الملكين ماسينيسا وسيفاكس، ورأى أنّ النصر على قرطاج لا يتمّ إلاّ باستغلال تفكّك الجبهة الأفريقية، وحيث أنّ عرى الصداقة بين قرطاج وحليفها سيفاكس كانت في أوج قوّتها، فإنّ ماسينيسا المخلوع من عرشه والمجرّد من مملكته هو الأنسب لما يخطّط له سيبيون، مع أنّ ماسينيسا كان وجها لوجه ضدّ الرومان إلى جانب قرطاج في الحرب التي كانت بين الطرفين في إسبانيا(29)، إلاّ أنّ حسابات الحرب التي يتقنها سيبيون الأفريقي كانت تشير إلى ضرورة الاتصال به، خاصّة وأنّه يعرف كفاءة ماسينيسا العسكرية فضلا عن النكبة التي حلّت به والتي تجعله لا يتردّد في الانخراط في أيّ حركة يمكن أن يستعيد بها كرامته وعرشه.

حملة سيبيون

استلم سيبيون مقاطعة صقلية، وهناك أخذ يعدّ العدّة للعبور إلى البرّ الأفريقي وتنفيذ خطّته، وانتهت عهدته السنوية من القنصلية وقد أوشك على نهاية الإعداد لتجهيز الحملة، وكانت خطّته تتضمّن إرسال حملة صغيرة بقيادة ضابطه لايليوس (Laelius) بهدف جسّ نبض الخصم، فنزلت الحملة في جهة هيبو ريجيوس (عنابة) (30)، وهناك التقى ماسينيسا بلايليوس ويكون التنسيق بين الطرفين قد تمّ بصفة عملية، وتمّ تدارس الوضع حيث أنّ الظرف مناسب لتنفيذ خطّة سيبيون، خاصّة وأنّ سيفاكس كان منشغلا بالقضاء على ثورات في عديد الجهات من المملكة، وهانيبال بقوات قرطاج لا يزال في إيطاليا(31).

انتهت الاستعدادات للحملة فقرّر سيبيون الانطلاق في أواخر صيف 204، وكان الأسطول الحربي يتكوّن من 40 قادوس و400 سفينة نقل، وعلى متنها 35000 ما بين مشاة وفرسان(32)، تحرسه من كلّ جهة 20 سفينة حربية وعلى اليمين سيبيون وأخوه، وعلى اليسار لايليوس والكستور كاتون، وكان سيبيون ينوي التوجّه نحو ساحل السيرت الصغير حيث يمكن الإنزال في أمان بعيدا عن قرطاج(33) ولكن الضباب حال دون التحكّم في خطّ السير ولمّا انقشع وطلع النهار تراءى الساحل الأفريقي فسأل سيبيون عن الرأس الأقرب فقيل له : Pulchri promunturium “الرأس الجميل”، فأجابهم هذا فأل حسن هنا ينبغي أن نذهب(34).

هذا الرأس هو رأس سيدي علي المكّي أو رأس طريفة، وهناك أقام معسكره في موقع حصين طبيعيا(35)، بجوار قرية استولى عليها وأخذ منها 8000 أسير، وأطلق يد فرسانه سلبا ونهبا في ممتلكات السكّان العزّل، وكانت الغنائم أكثر من المؤن التي جلبها معه من صقلية، وبعد أيام اتجه نحو أوتيكا وعسكر على بعد 1500 م من أسوارها(36)، وهناك التحق به ماسينيسا ومعه ألفا فارس، وبدأت المناوشات الأولى وانتشر الرعب في كلّ مكان، وانضمّ سيفاكس إلى حليفه أسدروبال بن جيسكون.

كانت فرق الفرسان القرطاجية قد اتخذت من قرية اسمها سلايكة (Salaeca) مقرّا لها وهناك ستبدأ المواجهة الأولى وكان ماسينيسا بفرسانه قد استدرج القرطاجيين ثمّ كرّ عليهم من جهة وسيبيون من الجهة الأخرى وتمّ سحق الجيش القرطاجي (37)، وكان على سيبيون أن يختار موقعا حصينا وآمنا لإقامة معسكره بعد أن لاحظ استعدادات خصومه، بحيث بلغت قوة أسدروبال بن جيسكون 30000 من المشاة و3000 من الفرسان وعدد من الأفيال، أمّا حليفه سيفاكس فكان في وسعه تجنيد 50000 من المشاة و10000 من الفرسان، ممّا جعل سييون في خطر حقيقي(38)، وحينما كان يرسل رسله ويستقبل رسل خصومه لعقد السلم كان يفكّر في خطّة أخرى فقد أخبره رسله بأنّ النوميد أقاموا أكواخا من الخشب والقصب في معسكر سيفاكس والقرطاجيين فخطّط سيبيون لحرقها وظلّ يرتقب الفرصة المناسبة ومرّ الشتاء وجاء الربيع فنفّذ خطّته وألحق بأعدائه خسائر جمّة.

كانت المعركة الثانية في السهل الشاسع (دخلة أولاد بوسالم) وقد انهزم أسدروبال وحليفه سيفاكس وعاد كل منهما إلى عاصمته، وعقد سيبيون مجلس حرب قرّر فيه أن يلاحق ماسينيسا ولايليوس سيفاكس حتّى لا يتمكّن من إعادة تجميع جيشه، أمّا سيبيون فاستولى على قرى المنطقة وسلب المؤن والأموال التي تكفي معسكره، وكانت هزيمة السهول الكبرى هذه كارثة حقيقية على أسدروبال وحليفه سيفاكس(39).

استعادة ماسينيسا لعرشه ومملكته

خلال ملاحقة ماسينيسا ولايليوس لسيفاكس دخلا التراب الماسيلي وعندما انتشر خبر عودة ماسينيسا خرج السكان واستقبلوه بحفاوة وطردوا الحاميات التي أقامها سيفاكس(40)، هذا الأخير انسحب إلى مملكته القديمة، ولكن قرّر بعد ذلك أن يستأنف الحرب وكان لا يزال معه جيش كبير ، فدارت المعركة بين ماسينيسا وسيفاكس في مكان ما شرقي سيرتا (24 جوان) وانهزم جيش سيفاكس لأنّ أغلبه كان من المجنّدين الجدد الذين لا خبرة لهم، كما تعثّر فرسه بسبب تلقّيه سهما قاتلا، فسقط جريحا وألقي عليه القبض واقتيد أسيرا إلى ماسينيسا(41) الذي دخل به العاصمة سيرتا وهو مقيّد بالأغلال(42)، وتسارعت الأحداث واستعاد ماسينيسا عرشه ومملكته، وأكثر من ذلك الاحتفاظ بالمملكة النوميدية موحَّدة، أمّا القرطاجيون فليس أمامهم سوى استقدام هانيبال(43).

معركة زاما

تطلّب انتقال هانيبال من إيطاليا(44) إلى البرّ الأفريقي جهودا كبيرة في تجهيز أسطول وضمان الأمن له، وفي الأخير نزل بجهة لمطة (Leptis Minor) ثمّ تمركز بالقرب من هدروميت ومن هناك أخذ في دعم قوّاته بتجنيد المزيد من المحاربين والتحالف مع أمراء وأعيان القبائل في المنطقة وكان من بينهم ماس ايتول وكذا اورمينا نجل الملك سيفاكس، وكان مجلس الشيوخ القرطاجي يستعجله في الدخول في الحرب لسحق الرومان الذين تزداد قوّتهم يوما بعد يوم وهم يهدّدون العاصمة البونية بالحصار ومنع وصول المؤن إليها(45).

من هدروميت تحوّل هانيبال غربا، وقد فسّر البعض ذلك بنيّته في قطع الطريق بين سيبيون وحليفه ماسينيسا، أي قتال كلّ طرف لوحده ومنع انضمامهما إلى بعضهم البعض، وهي خطّة ذكيّة ولكن يبدو أنّ ما فكّر فيه هانيبال كان سيبيون يفكّر فيه والدليل هو خروج هذا الأخير من معسكره في تونس والاتجاه غربا لاعتراض سبيل هانيبال وانتظار وصول ماسينيسا(46) وهو ما تمّ فعلا فقد عسكر سيبيون بسهل زاما(47) ، وفي هذه الحالة يكون هو من اختار ميدان المعركة وليس هانيبال الذي ما إن خرج من أحد المسالك المنفتحة على السهل حتّى وجد بانتظاره سيبيون وحليفه ماسينيسا، وليس أمامه غير خوض المعركة التي لم يكن يتوقّع أنّها ستكون على هذا الشكل.

خطوط سير أطراف الحرب نحو ميدان المعركة
خطوط سير أطراف الحرب نحو ميدان المعركة

دارت المعركة في خريف سنة 202 ق.م.(47)، وتشير المصادر الرومانية وهي مصادرنا الوحيدة إلى الأسباب التي جعلت هانيبال ينهزم(48)، وعلى العموم انتهت المعركة وأملى الطرف الروماني المنتصر شروطه القاسية،وهي:

  • تحتفظ قرطاج بالمدن التابعة لها قبل حربها الأخيرة ضدّ روما، وكذا إقليمها ومراكزها التجارية وعبيدها وأملاكها، وبالتزامها بذالك تعيش آمنة ضمن قوانينها وأعرافها.
  • تعيد للرومان كلّ ما أخذته منهم خلال الهدنة.
  • تسلّم للرومان العبيد الآبقين.
  • تسلّم للرومان كلّ سفنها الحربية وأن تستبقي لها عشرة سفن ثلاثية لا غير.
  • تسلّم للرومان كلّ أفيالها.
  • ألاّ تقوم بأيّ حرب خارج أفريقيا أو حتّى داخلها دون إذن روما.
  • تعيد لماسينيسا المدن والمناطق والأملاك التي انتزعتها منه أو من أسلافه، ضمن الحدود التي سيشار إليها لاحقا(49).
  • تمدّ قرطاج الجند الروماني بما يكفيه من قموح لمدّة ثلاثة أشهر وكذا رواتبه حتّى يأتي الردّ على هذه الاتفاقية من روما.
  • تدفع 10000 وزنة فضّية على مدى خمسين سنة أي 200 وزنة كلّ سنة.
  • تسلّم لروما مائة رهينة من أبناء القرطاجيين تكون أعمارهم ما بين 14 – 30 سنة، يختارهم القائد الروماني (50).

بناء المملكة النوميدية الموحّدة

hanni-sipioاهتمّ ماسينيسا بعد انتهاء الحرب باستكمال الوحدة الترابية لنوميديا، وكذا لجمع شمل الشعب في المدن والأرياف، وتنصيب حاميات في مختلف أقاليم المملكة للحفاظ على الأمن والاستقرار فامتدّت المملكة من مولوشا (ملوية) غربا إلى السيرت الكبير شرقا، وبقي عليه أن يسترجع المنطقة الحدودية المجاورة للقطر القرطاجي(51)، كما نصّت عليه اتفاقية إنهاء الحرب، ولكن يبدو أنّ المركانتيلية القرطاجية تراجعت عن تنفيذ نصّ الاتفاقية، ولا تريد الانسحاب من المدن والأرياف التي كانت قد انتزعتها من مملكته منذ عهد والده قايا، ولذلك فإنّ النزاع على الحدود سيستمرّ، وهو نزاع يعود بالدرجة الأولى إلى تراجع حكام قرطاج ورفضهم إتمام تنفيذ اتفاقية إنهاء الحرب.

لم يكن ماسينيسا يطمئنّ للأوليقارشية التجارية القرطاجية، بعد أن خبر نواياها حليفاً وعدوّا، ومن الحالتين استخلص العبر التي جعلته يصرّ أكثر على سياسته التي ترنو إلى آفاق بعيدة وهي توحيد أفريقيا وتطهيرها من الجسم المزروع فيها والذي يرفض الاندماج ولا يتردّد عن اتخاذ أي خطوة تبقي البلاد منقسمة، وقد كانت تلك الأوليقارشية الجشعة لا ترى في أفريقيا سوى مصدرا للبضائع بأقلّ الأثمان وسوقا لسلعها بالسعر الذي تريده، وكذا معينا لا ينضب للجند المأجور، الذي تجعل منه وقود حرب ثمّ لا تتورّع عن سحقه بعد أدائه الدور المنوط به، إنّها الذهنية المركانتيلية التي لا وجود لفكرة الوطن لديها.

لعلّ النخبة من أبناء قرطاج كانوا يدركون ذلك وأنّ النظام السياسي في قرطاج شاخ وهرم وينبغي أن تحلّ محلّه قوّة جديدة من عمق هذه البلاد(52)، ولذلك نستخلص من المصادر نشوء “حزب” في قرطاج من هؤلاء، يؤيّدون ماسينيسا ولعلّهم يدْعون إلى تسليمه السلطة لتحقيق الوحدة الأفريقية المنشودة، وهي النخبة التي اعتبرتها الأوليقارشية المركانتيلية في قرطاج خائنة، وقامت بنفي أربعين منها.

وبالمقابل فإنّ روما كانت تريد استمرار قرطاج الضعيفة ولا تريد أن يحسم ماسينيسا الأمر لصالح مشروعه “الوحدوي” بل وتعمل على منع حصول ذلك وتريد أن يطول النزاع بين الطرفين لاستنزاف قواهما، لأنّها لا تريد على الإطلاق أن يدخل ماسينيسا قرطاج وأن يتوّج ملكا على أفريقيا الموحّدة، فتواجه في هذه المرّة أفريقيا بجبهة واحدة موحّدة، ولكن تريد وتعمل جاهدة لاستلام قرطاج جثّة هامدة، وتلك هي خطط الاستعمار منذ القديم إلى الآن.

بضمّه لمناطق السيرت زال الطوق القرطاجي الذي كان يعزل عمق الشمال الأفريقي عن العالم الخارجي، وأصبحت المملكة النوميدية مجاورة لقورين الإغريقية ومنفتحة على العالم الإغريقي، وتحرّرت من الثنائي القرطاجي الروماني لترتبط بعلاقات تجارية مع الإغريق فتسرّبت تأثيرات الحضارة الهلينية إلى المنطقة، إلى حدّ أنّ ماسينيسا أنشأ أحد أبنائه (مسطان والد يوغرطة) نشأة إغريقية وجعله يشترك في الألعاب الأولمبية وينال ميدالية فيها، أمّا أعماله الفلاحية فهي محلّ ثناء كلّ المؤرّخين القدامى فهو الذي شجّع البدو على الاستقرار لدعم الاقتصاد الزراعي، والحدّ من البداوة تدريجيا(53).

خاتمة

كانت المملكة الماسيلية أسبق وجودا من قرطاج ومن النصوص الإغريقية، وهي التي أشار إليها يوستينوس بعبارة مملكة الماكسيتاني وكان ملكها يارباس بشهادة هذا المؤرخ هو الذي منح امتياز تأسيس قرطاج ولعل فكرة أنّ الفينيقيين هم من أدخلوا أفريقيا الشمالية التاريخ هي تعبير مبالغ فيه وهي في أحسن الأحوال تعبير عن النشاط الملاحي الفينيقي الذي ربط موانئ الحوض الغربي للمتوسط بباقي موانئ الحوض الشرقي.

وُضِع الملك ماسينيسا في سياق غير موضوعي من قبل البعض الذين يبدو أنهم انزعجوا من امتداح المؤرخين له قدامى ومحدثين وقد وجد هؤلاء في التحالف الذي وقع بينه وبين القائد الروماني سيبيون الأفريقي فرصة للقدح في شخصه، ولم يكلف هؤلاء أنفسهم عناء البحث في الأسباب التي جعلت ملكا محاربا يتحول من التحالف مع قرطاج إلى التحالف ضدّها، ولعلهم لا يريدون ذلك لأن البحث ليس في صالح الأغاليط التي يروّجون لها .

الأقليذ ماسينيسا الذي حارب بهمّة وشجاعة إلى جانب قرطاج في إيبريا يعود إلى مملكة والده ليجد أشفاط قرطاج قد رتّبوا كل شيء لإبعاده عن عرش أسلافه وإجلاس طفل على العرش بدله وأكثر من ذلك خططوا لضربه بسيفاكس كما رأينا ليتمّ تجريده من عرشه ومملكته بل إن أكبر جرم في حقه هو أسر والدته التي دفع فدية لتحريرها.

هذه كما رأينا هي الأسباب التي كانت راء استجابة ماسينيسا لمقترح التحالف الذي عرضه عليه سيبيون، ولا ريب أن ذلك التحالف كان اضطراريا ولم يكن مبادرة من ماسينيسا البتة، وأي قائد كان في ذات الوضع الذي كان فيه العاهل الماسيلي سيتخذ نفس القرار، بينما لا نجد أي مبرر يسوغ لأشفاط قرطاج الغدر بحليفهم ماسينيسا.

لقد كانت الظروف التاريخية أقوى من إرادة ماسينيسا الذي لو كان في وضع مريح ما كان ليختار التحالف مع أولئك الذين حارب ضدّهم، ولكن رياح التاريخ جرت بغير ما أراد، فقد جعلته في معسكر سيبيون وهو على مضض، ولعل ما هو ايجابي هو تحقيق الوحدة النوميدية التي كانت حلمه الأول لكن حلمه الأكبر كان على الدوام هو توحيد كلّ أفريقيا الشمالية وجعْل قرطاج عاصمة لها.

خلال نصف قرن من العمل الدءوب، بنى الملك ماسينيسا مملكة موحّدة، تمتّعت بالاستقرار وتوسّع بها النشاط الزراعي، وتخّلصت من الاحتكارات التجارية القرطاجية(54)، وأصبحت لها عملتها وأسواقها، وجيشها النظامي، ومع ذلك فإنّ طموح ماسينيسا لم يتحقّق كلّه وتركّ مهمّة إتمام بناء الدولة النوميدية لخلفه من بعده.

شجرة نسب ماسينيسا
شجرة نسب ماسينيسا

العربي عڨـون بروفيسور بقسم التاريخ والآثار جامعة سيرتا (قسنطينة)

بيبليوغرافيا
– Appien Lib. 10 éditions Belles Lettres, paris 1993. – Diodore de Sicile, Bibliothèque universelle, trad. Par Af. Milot, imprimerie royale, 1834-1837. – Hésianax, Fragm. Histo. Graec. III, S.D. – Justin, Histoire universelle, traduction nouvelle, par jules pierrot et E. Boitard, éditions panckoucke, 1833. – Polybe, Histoire romaine, trad. Par dénis Roussel, édition Gallimard, Paris 1970. – Tite-Live,Histoire romaine, livre XXVII, – Corpus inscriptionum latinarum,(C. I. L),T, VIII, consacré a l’Afrique du nord, édité par l’Académie de Berlin, 1863. – Gsell(S.), Histoire Ancienne de l’Afrique du Nord, (VIII Volumes), édition Hachette (1913-1928) – Gaïd (Mouloud), Aguellids et Romains en Berbérie, Publié par OPU – ENAL, 1985. – Rec.de la société archéol. de Constantine, XXXVII, 1903, p. 170 – E. Babelon, R. Cagnat et S. Reinach, Atlas archéologique de la Tunisie au 1/50 000, Paris, 1892-1913, 60 cartes [pour le nord et le nord-est] ; Tables in BCTH, 1938-1940, p. 709. – R. Cagnat et A. Merlin, Atlas archéologique de la Tunisie au 1/100 000, Paris, 1914-1932, 16 cartes [pour le centre-ouest]. Atlas archéologique de la Tunisie, rédigé par J.-B. Chabot et publié dans le BCTH, 1938-1939-1940

(*) توفي ماسينيسا سنة 148 ق.م. عن عمر يناهز التسعين سنة، كما تشير إليه المصادر الأدبية، وعليه تكون ولادته في السنة 238 ق.م.
(1) الماسيل قسم من النوميد، ولا نعرف متى انقسم النوميد إلى ماسيل وماسيسيل وعلى العموم فإنّ أقدم ذكر لهم يؤرَّخ بالقرن الثالث ق.م.، في نص للمؤرّخ الإغريقي هسياناكس، أنظر: -Hésianax, Fragm. Histor. Graec. III, p. 70, N° 11.

(2)هؤلاء يغالون في المنّ وفي تعداد فضائل الآخرين عل هذه البلاد ولذلك أصبحت كتاباتهم من سقط المتاع.
(3) هو ملك الماكسيتاني(Maxitani) في الأسطورة التي رواها يوستين،حيث طلب اليسا للزواج ولكن تقول الأسطورة حفاظا على ذكرى زوجها وخالها أشرباس رفضت الزواج من يارباس وانتحرت بإلقاء نفسها في النار،أنظر:Justin, XVIII, 4, 6.)
(4) استفاض ذوو النزعة السامية -اعتمادا على اللغة العبرية- في شرح اسم قرطاج لإثبات ساميته دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء البحث في الأثر الليبي في هذا الاسم، وإذا كان هؤلاء يكرّرون في كلّ مرّة أنّ جذر الكلمة هو قرت حدشت فإنّنا من جهتنا نذكّر هؤلاء أنّ في الاسم صيغة ليبية(أمازيغية)وهي قرطاشت(أو(ثا)قرطاشت)وفقهاء اللغة يعرفون أنّ حرف الجيم الساكن الذي تليه تاء متحرّكة يقلب شيناً في الأمازيغية بل وحتّى في العربية، وكلمة قرطاشت أقرب إلى قرطاج من قرت حدشت.
(5) المعروف أنّ عادة تسمية المواليد الجدد بأسماء أسلافهم قديمة ولا تزال إلى الآن، والملك المقصود هنا هو يارباس المنشقّ عن يامبسال الثاني (Hiampsal II) .
(6) وإذا أضفنا ما جاء في يوستين من أنّ قرطاج ظلت تدفع إتاوة سنوية للملوك الماسيل منذ تأسيسها إلى منتصف القرن الخامس ق. م. وهو قدم سمح بحصول تراكم اقتصادي حضاري كان عاملا أساسيا للتطوُّر الذي عرفته المملكة النوميدية خلال القرن الثالث، أنظر: شنيتي (محمد بشير)، سياسة الرومنة في المغرب منذ سقوط الدولة القرطاجية إلى سقوط موريطانيا القيصرية (146 ق.م.- 40 ب. م.) الجزائر 1982، ص 20. وأيضا حارش (محمد الهادي)، التاريخ المغاربي القديم، المؤسّسة الجزائرية للطباعة، الجزائر 1995، ص ص 97- 98.
(7) Gsell(S.), H.A.A.N., T. V, p. 100, Note 1. )
(8)أشار ديودور إلى ملك بهذا الاسم خلال حملة أقاتوكليس تحالف معه ثمّ انقلب عليه،وهو ملك الليبيين(أي الأمازيغ القدامى). (9) هو ابن زيلالسن (Zilalsan) وحسب اقزال – الذي استند على نقيشة دوقة- فإنّ زيلالسن هذا لم يكن ملكا ولم يستلم الحكم بل كان مجرّد شفط (Suffète)، وهو ما جعله يتساءل عما إذا كان عرش الماسيل قبل قايا في فرع آخر من العائلة الملكية، -Gsell(S.), H.A.A.N., T. V, p. 100, Note 7. ، ومن جهتنا نرى أنّ عبارة شفط هذه ما هي إلا ترجمة لاصطلاح ليبي لوظيفة سياسية لعلها هي وظيفة الملك باعتبار الشفط قاضيا، والدليل أنّنا لا نزال إلى اليوم نقول في الأدبيات السياسية عن رئيس الجمهورية القاضي الأول للبلاد.
(10) Tite-Live, XXVII, 5, 11. (11)
(11)حكم ماسينيسا حوالي60 سنة فهل هذه الستون منذ وفاة والده قايا أم منذ استعادة حقه في العرش، أنظر مناقشة في الموضوع في : –Gsell(S.), T. III, p. 191, note 3 )
(12) قاعدة عُرفية بنتقل الحكم بموجبها إلى الأكبر سنّا من بين الذكور في العائلة الملَكية، وهي قاعدة عرفية معروفة لدى كثير من الشعوب القديمة مثل الإيبريين والوندال،ولا ريب أنّها كانت قائمة لدى باقي الشعوب الأمازيغية: الماسيسيل والمور، وقد تكون على مستوى العائلة الصغيرة أين يتولى الولد البكر (أكبر إخوته) المسؤولية،أو تكون على مستوى العائلة الواسعة المتكونة من الأخوة والأعمام كما هو الحال في العالة الملكية الماسيلية، أنظر :Gsell(S.), H.A.A.N., T. V, p. 122.
(13) Tite-Live, XXIX, 29, 8 (14)
Tite-Live, XXIX, 30, (14
(15)أنظر أبيان : Appien Lib., 10 ؛ ولكن اقزال ينفي ذلك، أنظر : Gsell (S.), H.A.A.N., T. III, p. 191, note 2 )
(16) جهّز ماس ايتول جيشا من 15000 من المشاة و 10000 من الفرسان بدعم من سيفاكس، أمّا ماسينيسا فكان تعداد جيشه حوالي 20000 من الفرسان Tite-Live, XXIX, 30, 9. ، وفي هذا الظرف الصعب ليس أمام ماسينيسا غير قبول عرض المساعدة من طرف الرومان بعد أن وجد نفسه بين عدوين متحالفين ضدّه : Tite-Live, XXIX, 32, 13.- )
(17) يكون لاكوماز وماس ايتول قد التجآ إلى سيفاكس ويعني منحهما اللجوء تأييدا لهما ممّا يدلّ على أنّ العرش الماسيلي كان بين خطرين أرستقراطية قرطاج وسيفاكس،هذا الأخير كان يعمل على إضعاف المملكة الماسيلية ليسهل عليه ضمّها في وقت لاحق،أنظر: -Gaïd(Mouloud),Aguellids et Romains en Berbérie, SNED éditions, Alger 19 p. 22. )
(18)اتصل القائد الروماني سطاطوريوس(Statorius) بسيفاكس وعرض عليه التحالف ضدّ قرطاج وحليفها قايا (213 ق.م.) وأصبح سيفاكس حليفا للرومان، وعندما علم القرطاجيون بتحالفه مع الرومان بادروا إلى إرسال سفارة إلى الملك الماسيلي قايا لتنبيهه إلى أنّ هذا التحالف سيجعل من سيفاكس أقوى ملك في المنطقة، وأنّ من مصلحة الطرفين أن يتعاونا ضدّه في أسرع وقت للقضاء عليه، فاستجاب قايا وكلّف ابنه ماسينيسا بمهمّة الحرب ضدّ سيفاكس هذا الأخير انهزم وخسر في المعركة 30000 من أفراد جيشه، وفرّ مع عدد قليل من فرسانه المقرّبين غربا إلى موريتانيا ، أنظر: -Gsell(S.), H.A.A.N., T. III, p. 182. . )
(-19) أخو كابوسا وكان لا يزال في سنّ الطفولة، أنظر: -Tite-Live, XXIX, 29, 11 et suiv. )
(20)كانت هذه السهول محلّ نزاع بين قرطاج والمملكة الماسيلية منذ أيام قايا، ولعلّ  شراء بعض أثرياء قرطاج لمزارع بها جعل قرطاج تريد بسط سيطرتها السياسية عليها، مع أنّها ضمن إقليم المملكة الماسيلية، وبالتالي فإنّ جبايتها ينبغي أن تعود إلى خزينة الدولة الماسيلية، ولكن الطبقة المركانتيلية القرطاجية على عادتها تبدأ بالشراء ثم تقدم على الخطوة التالية وهي بسط السلطة السياسية، وهذا هو عمل المرابين على امتداد التاريخ.
(21) Tite-Live, XXIX, 32, 1)
(22)  احتمالا جبل بلوس (Bellus) : Tite-Live, XXIX, 31, 7- ولعلّه جبل الإيوغ المطلّ على عنابة مع أن اقزال استفاض في مناقشة موضوع موقع الجبل والسهول الكبرى، للتوسع أنظر: -Gsell (S.), H.A.A.N., T. III, p. 195, note 4. . )
(23) واحتفل بهذا الانتصار العظيم وشاركه حلفاؤه القرطاجيون واحتفوا به وزوّجه أسدروبال بن جيسكون بابنته الجميلة صوفونيسب، وديودور هو الوحيد الذي انفرد بالقول أنّ ماسينيسا تزوّجها قبل ذلك وزواجها بسيفاكس هو زواجها الثاني أنظر: -Diodore, XXVII, 7
Tite-Live, XXIX, 33, 9 (24)
(25) نذكّر هنا بمصير اكسانتيب(Xanthippe)الاسبرطي الذي غدر به القرطاجيون،أنظر: -Gsell(S.),H.A.A.N.,T.III, p 91. )
(26) زيادة على ما قدّمه اللغويون في اسم صوفونيسب أردنا أن نقدّم مقاربة تدلّ على الأثر الليبي الأمازيغي في اسم هذه الأميرة وهو المتمثّل في حرف النون الذي يفيد الملْكية في اللغة الأمازيغية فيكون اسمها البوني المتمزّغ صوفو نّس ب(ال) (Sopho nnes ba(l)) او صوفو ن بال (Sopho n’ bal) والمعروف أنّ النون الساكنة التي تعقبها باء تقلب ميما ولذلك كُتب اسمها في نصّ أثري هكذا:Saphambalis (au génitif), ، أنظر: – Rec.de la société archéol. de Constantine, XXXVII, 1903, p. 170. (27) سييون ( Publius Cornelius Scipion) [235 – 183 ق.م.]، المسمّى الأفريقي(Scipio africanus) بسبب حروبه في أفريقيا هو من عائلة كورنيليا (Cornelia) الرومانية من طبقة الأشراف، وكان أبوه قائدا حربيا، وجّهت إليه تهم الفساد وأحسّ بالمضايقات في روما فغادرها إلى منطقة ريفية في كمبانيا أين قضى آخر أيامه وتوفي عن عمر 52 سنة، ونظرا لتـنكّر وطنه لأفضاله عليه أوصى ألاّ يدفن في روما وأوصى أن يكتَب على قبره : أيها الوطن الجحود لن تنال عظامي.
(28) كان هانيبال حينها لا يزال في إيطاليا.
(29) انتهت بانتصار الرومان في إيلّيبسا (Illipsa) وكان سيفاكس حينئذ حليفا لهم على العكس من ماسينيسا الذي كان إلى جانب قرطاج.
(30) Tite-Live, XXIX, 1, 13-14 ; 22, 2-3 et 12. )
(31) يتساءل اقزال هنا كيف علم ماسينيسا بمقدم لايليوس وكيف التقى به مع أنّ تيت ليف Tite-Live, XXIX, 1, 14 ; 3, 5.10 ; 4, 1-4 et 7-9 ; 5, 1. يذكر أنّ ماسينيسا كان أثناء ذلك في منطقة طرابلس بجوار القرامنت على بعد 600 إلى 700 كلم، فهل استغلّ انشغال سيفاكس بإخماد الثورات المندلعة هنا وهناك في أنحاء مملكته بل في إقليم المملكة الماسيلية التي ضمّها بالقوّة، ونفّذ خطّة قرطاج وجعل الماسيل يرزحون تحت سيطرة الاحتكارات التجارية القرطاجية، وهو ما يذكّرهم بالإبادة التي تعرّض لها الجند المأجور، وكذا التوسّع القرطاجي على حساب ممتلكاتهم في جهات السهول الكبرى، وخلص اقزال إلى أن ماسينيسا الذي كان حينئذ ملكا دون مملكة يكون قد عاد واتخذ من جبل بلوس (Bellus) معقلا له، أنظر : -Gsell(S.), H.A.A.N.,T. III, p 208-209.. (32) كان صحبة سيبيون أخاه لوكيوس (Lucius) والكستور كاتون (Porcius Cato)، ولايليوس، وقد اصطحب معه مؤنا (الماء والغذاء) تكفي لمدّة 45 يوما، وطعاما يكفي لـ 15 يوما.
(33) Gsell(S.), H.A.A.N.,T II, p. 127. )
(34) هذه نقطة ضعف قرطاج على امتداد تاريخها وهو عدم الانتباه إلى حراسة الشواطئ وهي في حرب بجبهات متعدّدة في ايطاليا وإسبانيا وأفريقيا فكيف لا تهتمّ بحراسة هذه الشواطئ التي في كل مرّة تنزل بها حملة رومانية وكأنّها لم تتعظ من حملة ريغولوس وأقاتوكليس من قبله.
(35) لتفاصيل أكثر يمكن الرجوع إلى : -Gsell(S.), H.A.A.N.,T. III, p 214, note 2 )
(36) Tite-Live, XXIX, 34, 3.
(37) كان من بين الأسرى200من أعيان قرطاج،ومن ضمنهم القائد حانون الذي بادله أسدروبال بوالدة ماسينيسا التي كانت أسيرة لديه-Appien Lib.,14.)
(38) فكّر في اللجوء إلى المفاوضات وحيث أنّه لا يمكن تحييد سيفاكس فقد فكّر في عرض اتفاق بموجبه ينسحب هانيبال من إيطاليا وينسحب هو من أفريقيا،
39) Polybe, XIV, 8, 5-14 ; Tite-Live, XXX, 8, 5-9.
(40) Polybe XV, 4, 4
(41) Tite-Live, XXX, 11 et 12, 1-5.
(42) لا نريد هنا التطرّق إلى قصّة صوفونيسب بما فيها من جوانب مأساوية عاطفية أسطورية، وعلى العموم فإنّ الحروب لها منطقها، وينبغي وضع الأشخاص والأحداث في سياقها، وكانت نهاية سيفاكس مأساوية حقّا فقد اقتاده لايليوس العائد إلى روما ومعه الأسرى من مساعدي الملك الأقربين، ونقل إلى جزيرة ألبا فوكانس (Alba fucens) ثمّ إلى تيبور (Tibur) حيث توفّي هناك Tite-Live, XXX, 45, 4-5 ; Appien, Lib., 28.

(43) لعب الملك سيفاكس دورا أساسيا في عقد اتصالات بين الطرفين ، أنظر: Gsell(S.), H.A.A.N.,T. III, p 224-225- وبعد أن حلت به الكارثة وسيق أسيرا إلى روما، لم يجد حكام قرطاج غير طلب السلم فأرسلوا وفدا إلى معسكر الرومان في تونس وترجّوا سيبيون وقبّلوا أقدامه (وهي عادة يقول اقزال جاءوا بها من الشرق) وبالغوا في التذلّل له قائلين أنّ هانيبال هو من أوصل الوضع إلى هذه الدرجة من العداوة Tite-Live, XXX, 16, 1-7,- ، فأملى سيبيون عليهم الشروط الآتية : – تسليم الأسرى والفارّين. – تسليم العبيد الآبقين. – سحب الجيش القرطاجي من إيطاليا الجنوبية وغاليا أمام الألب. – التخلّي عن إسبانيا وكلّ جزر المتوسّط الواقعة ما بين إيطاليا وأفريقيا. – تسليم كلّ السفن الحربية والاحتفاظ بـ 20 منها لا غير. – دفع تعويض قدره 5000 تالنت. – دفع 500000 صاع قمح و300000 صاع شعير. ومنحت للقرطاجيين مهلة ثلاثة أيام للرد على هذا العرض وهي الشروط التي قبلوها لربح الوقت حتى يعود هانيبال Polybe, XV, 7, 8, et 8, 7
(44) قضى بإيطاليا 14 سنة.
(45) أحسن من روى تفاصيل المعركة التي يسمّيها المؤرّخون المحدثون معركة زاما هو بوليب، أنظر: Polybe,XIV,2, 5-14.-
(46) كان سيبيون قد أرسل إليه مرّات متتالية يحثّه على الالتحاق به بسرعةPolybe, XV, 4, 1-3. فالتحق به على رأس قوّة قوامها10000 من النوميد.
(47) تبيّن النصوص الأثرية اللاتينية وجود مدينتين أفريقيتين تحملان ذات الاسم: الأولى على بعد 50 كلم شمال غربي القيروان في المكان المسمّى سيدي اعمر جديدي، Zamensis. Colonia أنظر: C. I. L., VIII, 12018, والثانية تقع على بعد 40 كلم غربا في المكان المسمّى حاليا جاما وكما نرى فهو يحتفظ بالاسم القديم، شمال شرقي جبل مسوج على الضفّة اليسرى لوادي سليانة أحد روافد مجردة Atlas archéol. de la Tunisie, feuille de Jama, n° 72. وزاما هذه هي التي سيتخذها الملك يوبا الأول عاصمة له خلال الحرب المسمّاة الحرب الأفريقية بين القيصريين والبومبيين.
(47) في يوم احتجبت فيه الشمس، يوافق 19 أكتوبر 202، أنظر: Gsell(S.), H.A.A.N.,T. III, p. 265 –
(48) ليس هذا مجال الخوض في تفاصيل المعركة، ويمكن أن نعود إلى الموضوع في بحث مستقلّ.
(49) في الستين يوما الموالية لمغادرة سيبيون البرّ الأفريقي نصّت الاتفاقية على أن تنسحب قرطاج من المدن والأراضي الواقعة خارج الخندق الملَكي وبذلك تعيد للماسيل كلّ ممتلكاتهم، Gsell(S.), H.A.A.N.,T. III, p. 289. ولكن يبدو أنّ الاتفاقية لم تنفّذ ولذلك سيظلّ النزاع على الحدود قائما بين قرطاج والمملكة النوميدية الموحّدة.
(50) Polybe, XV, 18.
(51) عالج غابريال كامبس الموضوع بالتفصيل، بحيث وضع كرونولوجيا تسلسل وقائع استكمال الوحدة النوميدية كما يلي :- 193 ق.م. غزو إمبوريا. – 182: ضمّ المناطق التي كان سيفاكس قد تنازل عنها لقرطاج. 174- 171 : ضمّ 70 ما بين مدينة وقرية . 162 : ضمّ الإمبوريا نهائيا. 153-152 : ضمّ السهول الكبرى وجهات توسكا. 150 : حصار أوروسكوبا، أي على امتداد نصف قرن كان ما سينيسا يعمل جاهذا على استرداد الأقاليم التي استولى عليها حكّام قرطاج، ولا نوافق ما يذهب إليه البعض من أن ماسينيسا كان يريد ضمّ قرطاج بالقوّة، لأن المصادر وهي لاتينية إغريقية أي معادية، لم تشر إلى أيّ عمل حربي استهدف به قرطاج ولو كان ماسينيسا يريد ضمّها بالقوة لكان فعل ذلك، ولكنه في رأينا كان يريد دخولها سلميّا دون حرب اعتمادا على نشاط أنصاره في المدينة.
(52) قد يراه البعض موتا لقرطاج ولكن الأنظمة الهرمة التي لا تقبل التجديد تجرّ على أوطانها دائما الخراب، ولذلك جاءت الديمقراطية لتزوّد أنظمة الحكم في كلّ مرحلة بنخبة جديدة وتضخّ فيها دماء فتيّة، لأنّ الأنظمة الهرمة إذا رفضت التجديد من الداخل سيأتي ذلك التجديد (الكارثي) من الخارج أي من الاستعمار المتربّص بالوطن، والتاريخ مليء بالعبر في هذا المجال.
(53) وقعت بعض الأخطاء في حق الملك ماسينيسا ونحن هنا نريد أن نتتبع تفاصيل الوقائع التاريخية التي تمكن من مراجعة بعض الأحكام المتحاملة عليه.
(54) يراجع كتابنا: الاقتصاد والمجتمع في الشمال الأفريقي القديم، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر2008 ص ص59-65

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى