تاريخ

موسى الدرقاوي الرجل الذي حارب الأمير عبد القادر و أراد إبادة الميزابيين

استرجعت الجزائر يوم الجمعة رفات 24 مقاوِما جزائريا ضد الاحتلال الفرنسي تم اعدامهم و ارسال جماجمهم إلى فرنسا منذ أكثر من قرن و نصف من الزمن.
و من أشهر هذه الشخصيات التي أعيدت رفاتهم الشيخ أحمد بوزيان قائد انتفاضة الزعاطشة و  الشريف بوبغلة قائد الثورة التي تحمل اسمه في منطقة القبائل .
لكن الاعلام العربي و بعض الجزائريين ركزوا على الجمجمة رقم 5942 التي تعود الى موسى الدرقاوي و هو شيخ صوفي مثير للجدل تذكر المصادر التاريخية أنه حارب الأمير عبد القادر و كفّر المزابيين وحاول قتلهم .
و السبب في التركيز على الدرقاوي كونه مصريا وفق بعض المصادر التاريخية . و اصبحت هذه الشخصية التاريخية المشبوهة أداة  للمتاجرين بالقومية العربية لكي يروجوا لبضاعتهم القومية الكاسدة .

عشية عودة رفات المقاومين الجزائريين بدأت حملة اعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لهذا “المقاوم المصري” بشكل منظم بدأتها الاعلامية الجزائرية خديجة بن قنة ثم تبعها آخرون . ثم انتقل الأمر الى قنوات الجزيرة و العربية و مواقع عربية و مصرية كثيرة و التي ركّزت جميعها على جمجمة  “موسى الدرقاوي” و جعلت منه أهم مقاوِم أعادت الجزائر رفاته.
قبل هذه التغطية الاعلامية الواسعة  لم يكن يوجد على الانترنت أي معلومات حول موسى الدرقاوي باستثناء مقالة لوكالة الانباء الجزائرية يعود الى سنة 2018. لنشهد بعد ذلك حملة ممنهجة للترويج له بدأت بظهور مفاجأ لمقالة حوله على الموسوعة الحرة ويكيبيديا . عندما راجعنا قسم التعديلات وجدنا أن المقال تم إنشاءه مساء 3 جويلية (في اليوم الذي تم فيه استلام الرفات ) على الساعة السابعة و أربعة دقائق . تم تعديل المقال 20 مرة من طرف شخص واحد الى غاية الساعة الحادية عشر ليلا . أي أن إنشاء هذه المقالة كان على استعجال لدعم هذه الحملة و نحن نعرف ان مقالات الموسوعة الحرة الويكيبيديا هي من أهم مصادر الإعلام العربي .

موسى الدرقاوي الصوفي المتعصب الذي حارب الأمير عبد القادر

يُعرف موسى الدرقاوي في كتب التاريخ على أنه شيخ زاوية تكفيري حاول استغلال الفوضى السياسية التي كانت سائدة سنوات 1834-1835 لكي يلعب دورا سياسيا . يقول مصطفى لشرف في كتابه “الجزائر أمة و مجتمع” أن الأمير عبد القادر كان في 1835 مشغولا بتعيين “خلفائه” في مختلف المدن التي كان يطالب سكانها بذلك . و يكتب صفحة 175 ” تلك الفوضى سمحت بظهور مغامِر جاهل و متعصب لعب دور قائد سياسي و مصلح ديني في نفس الوقت و يتعلق الأمر بموسى الدرقاوي الذي كان يلعن الأمير عبد القادر و المسيحيين على حد سواء” [1].
و يصف المؤرخ الفرنسي “كاميي روسي”(Camille Rousset  )  مجىء الدرقاوي من الصحراء الى مدينة المدية قائلا ” كان الدرقاوي مرابط من الصحراء  ,متعصب ، زعيم طائفة زعمت أنها ستعيد الاسلام إلى نقاء العصور الأولى. لقد جاء من الصحراء ، معلنا الحرب المقدسة ، مناديا بتدمير الكفار وحلفائهم ، و كان يلعن الأمير عبد القادر  و المسيحيين على حد سواء ” [2].
و عندما وصل أمام أبواب المدية يقول “روسي” طالب سكانها بتسليمه جميع اليهود و المزابيين لكي يقتلهم (فهو يعتبر المزابيين كفارا لاعتناقهم المذهب الاباضي ) لكن سكان مدينة المدية رفضوا ذلك .
تقول المصادر التاريخية أن الأمير عبد القادر بعد أن وصله استنجاد سكان مدينة المدية خرج لمواجهة موسى الدرقاوي .
وإلتقى الفريقان في وادي “وامري”  في شهر أفريل 1834 فانهزم جيش موسى الدرقاوي و فرّ الى الأغواط تاركا نساءه وأولاده وسائر ما كان معه من الذخائر و قُتل من أتباعه حوالي 821 شخصا في حين فقد الأمير أربعون فارسا [3] . دخل الأمير عبد القادر المدية و عيّن شقيقه مصطفى بن محي الدين حاكما عليها و خليفة له فيها ثم أمر باطلاق صراح نساء و أبناء موسى الدرقاوي وارسلهم اليه في الأغواط .
لم تذكر المصادر التاريخية اخبار موسى الدرقاوي الى غاية سنة 1849 عندما اندلعت ثورة الزعاطشة و التحاقه بالشيخ بوزيان و وفاته معه .

مصادر تاريخية أخرى تتحدث عن كون موسى الدرقاوي عميلا مدسوسا من طرف الاستعمار الفرنسي لشق صف المقاومة الجزائرية و اضعاف الأمير عبد القادر . ففي كتاب ” دور الميزابيين في تاريخ الجزائر”  أورد الكاتب محاضرة ألقاها الاستاذ “محمد بن شيخ الثميني”  (مدير مدرسة التجارة العليا في العاصمة)  في جامعة أمريكية  قال فيها : “ان في ابريل 1835 ظهر شخص يدعى انه من المرابطين , و في الحقيقة كان هذا الشخص المسمى حاج موسى الدرقاوي من الشخصيات الغامضة المدسوسة من طرف جيش الاحتلال الفرنسي لتفريق شمل المجاهدين مع الأمير عبد القادر الجزائري . فقد كان هذا الشخص يخطب و يلعن الأمير عبد القادر و المسيحيين و يطالب من اهالي المدية المحاصرة من طرف جيش الاحتلال ان يطهّروا مدينتهم من اليهود و المزابيين و يسلموهم اليه ليقتلهم “[4] .
موسى الدرقاوي هذه الشخصية التاريخية الغامضة اصبحت في ظرف اقل من اسبوع , احدى أهم وجوه المقاومة الجزائرية في عملية تزوير تاريخية تتم أمام أعين الجميع  .

يوغرطا حنّاشي

المراجع :

[1] L’Algérie: nation et société. Mostefa Lacheraf

[2] L’Algérie de 1830 à 1840 : les commencements d’une conquête Tome 1 . Camille Rousset

[3] الأمير عبد القادر، مذكرات الأمير عبد القادر، تحقيق محمد الصغير بناني ومحفوظ سماتي ومحمد صالح ألجون ، ص 918

[4] حمو عيسى النوري . دور الميزابيين في تاريخ الجزائر . صفحة 258

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق