أقلام حرّة

محمد الهادي حارش لجريدة ليبيرتي “لا نجد في غير الجزائر من يتنكر لرموزه”

أجرى الحوار: محمد ايوانوغن، نشر في جريدة ليبيرتي الناطقة باللغة الفرنسية ليوم 21 يناير 2021

ليبيرتي: أثار تمثال شيشنق الذي أقيم في تيزي وزو الكثير من الجدل حول حقيقة هوية هذا الملك الفرعوني، ما رأي الباحث في التاريخ القديم في هوية هذا الملك ؟ .

محمد الهادي حارش: في الواقع أشياء كثيرة تثير النقاش في بلادنا منذ الاستقلال، فسياسة الإنكار للآخر التي اعتمدناها، كان لابد أن تصل إلى ما وصلنا إليه.
السلطة الوطنية بعد الاستقلال، وأمام عجزها على تلبية مطالب المواطنين في التنمية الاقتصادية والثقافية، وبعد استعمار جثى على رقابنا لما يزيد عن القرن وثلثه، فكان الشعب بعد جهاد مرير وطويل وبعد معاناة من كل أشكال الحقرة، والإنكار لهويته، كان ينتظر بعد الاستقلال الانفراج وأيام أفضل.
عجز السلطة وعدم وعيها بواقع الجزائر، خاصة من بيدهم ” الحل والربط” ، وأحيانا بتوجيه من الآخر، دفعها إلى ممارسة سياسة، لا تختلف كثيرا عن السياسة الاستعمارية، بتأليب مناطق على أخرى، والتركيز على مناطق لذاتها، حتى لا تمتدّ مطالبها في التنمية، الاجتماعية، الاقتصادية، والثقافية، وحتى في الهوية، التي عمل الاستعمار على طمسها، وقد بلغ الأمر إلى درجة ” فبركة” أحداث لتشويه تاريخ منطقة معينة، واتهامها بالعمالة، ” حادثة رأس سيقلي”، مثلا ، فماذا نجني من مثل هذه السياسة، الإنكار لا يُقابل إلاّ بالإنكار، والتخوين لا يُقابل إلاّ بالتخوين، وهكذا دواليك.
هذه مقدمة ربما طويلة نسبيا لحدث لا يحتاج كل هذا الجدل، الذي أسميته أنت ” هذا الملك الفرعوني”، لأنّه فعلا كان أحد فراعنة مصر، ومؤسس الأسرة الثانية والعشرين، التي تُنسب إلى الّليبيين، وأقصد بليبيا هنا شمال إفريقيا قديما من غرب النيل إلى المحيط الأطلسي، إذن إذا كان فرعونا مصريا، فهو من أصول ليبية، فإقامة هذا التمثال، ما كان ليثير كل هذا الّلغو لو أقيم في مكان آخر.

ليبيرتي: تمثال ماسينيسا أيضا واجه معارضة حتى تمّ تدشينه في العاصمة، هل الأمر يتعلّق بوجود اختلافات في قراءة تاريخنا الأمازيغي، أم تعتقدون أنّ هذه المعارضة سياسية محضة ؟ .

محمد الهادي حارش : معارضة تدشين تمثال ماسينيسا، يستمد جزء من الإجابة عنه من مقدمة الإجابة على السؤال السابق، فلو كانت الاختلافات في قراءة تاريخنا، لسعدنا بذلك، لأن الاختلاف الفكري “نعمة” و دليل على القراءة و الوعي، لكن الأخطر أن تتحكّم الإيديولوجية والشوفينية في القرارات، أقول لك مثلا أنّ بلدية الجزائر الوسطى هي من موّلت إقامة تمثال ماسينيسا ليقرر إقامته في البداية في شارع باستور قرب مدخل النفق الجامعي، ثم حُوّل إلى تافورة من طرف والي العاصمة، قبل أن يطلب الوالي نفسه تحويله إلى باب الزوار لولا الإسرار على تافورة!؟
نحن فعلا في حاجة إلى إعادة ترتيب أمورنا، ونحن نقترب من العقد السادس للاستقلال، لم نعرف بعد من نكون، ولم نحدّد بعد إن كنّا نريد بناء هذا الوطن أم نريد تدميره بأنانيتنا !، تحضرني في هذا الإطار وصية الملك مكوسن ابن ماسينيسا لأبنائه وهو على فراش الموت: « إنّي تارك لكم عرشا قويا إن أحسنت سياستكم، ضعيفا إن لم تحسنوها، فبالوحدة والاتفاق تقوى الدّول الصغيرة، وبالتفرقة تنهار أعظم الدول… ».
أقول دائما ما أحوجنا إلى هذه الوصية اليوم قبل البارحة، لأنّه بغير ذلك لا مستقبل لنا، لأنّ سياسة التشتيت، وفرّق تسدـ، التي مارسها الاستعمار علينا البارحة، وما يزال اليوم، ولم نحد عنها نحن، لن تخدمنا ولن تخدم هذا الوطن، الذي لا وطن لنا غيره.
خلاصة القول، الاختلافات ليست في قراءة تاريخنا الأمازيغي، وإنّما التمعّن في إنكار وجود الأمازيغ في تاريخنا من جماعة واسعة من دعاة ” القومية العربية ” ، على حساب الوطن، دون تقدير العواقب.

ليبيرتي: اختيار الرموز التي تجسد الأمة الجزائرية عبر التاريخ موضوع حساس، يتطلّب وجود اجماع حول هذه الرموز، كيف تمّ اختيار الملك شيشنق كرمز من رموز شخصيتنا ؟ .

محمد الهادي حارش: الرموز في الكثير من الدول، تبقى رموزا ولا أحد يطعن فيها، خلافا لنا فلا اجماع لنا إلّا في طعن تلك الرموز، خذ مثلا الأمير عبد القادر، الذي حارب فرنسا لما ينيف عن عقد ونصف، يصبح ببعض الرسائل الدعائية الفرنسية، وببعض المؤلفات الفرنسية صديقا لفرنسا، وعجزنا نحن عن فضح تلك الأعمال الدعائية، وأصبح الأمير في نظر الكثيرين خائنا، لقضية دافع عنها بالنفس والنفيس.
ماسينيسا موحّد مملكة نوميديا، التي امتدت في عهده من وادي الملوية بالمغرب الأقصى حاليا إلى القوس بليبيا الحالية إلى الشرق من طرابلس الغرب، بحوالي خمسمائة كيلومترا، وما قام به من أعمال في مختلف المجالات لمدة خمس وخمسين سنة قضاها في الحكم، يصبح في رمشة عين خائنا، لأنّه حارب قرطاجة، التي حاولت الحيلولة، دون وصوله إلى السلطة، بعد أن أدركت طموحه وإمكانياته….
سمعنا نغمات أن المُقراني كان باشاغا، حارب من أجل أملاكه، وفرحات عباس اندماجي و بن باديس إصلاحي…، و وضعنا لكل رموزنا رُقع، لدرجة انّك لن تجد رمزا لا يُسفّه.
خارج الجزائر، لنأخذ مثلا مصر، لو سألت أيّ مواطن مصري عن كليوباترا السابعة ، لقال لك أنّها ملكة مصرية، ونحن نعرف أنّها إغريقية بطلمية من خلفاء الاسكندر المقدوني، الذين حكموا مصر ( 305-30 ق.م)، ولا أحد يطعن في مصريتها، ولا أحد يتنكّر للفراعنة ولا لتاريخ الفراعنة في مصر، كما لا يتنكّر العراقيون لتاريخ السومريين الوافدين على المنطقة، ولا لتاريخ الكيلدانيين و لا البابليين و لا الآشوريين، و لا يقولون أنّهم وثنيون أو ملحدون ، ونحن نتنكّر لتاريخنا و رموزنا، و نقول عنهم عبَدة الأوثان وكأنّه كان عليهم الدخول في الإسلام قبل ظهوره !!
أما عن اختيار شيشنق كرمز من رموز شخصيتنا، فالواقع أنا لم أحضر المداولات، إن كانت هناك مداولات، و عرفت ذلك في طريق عودتي من أدرار ديسمبر 2018، عن طريق موظف بولاية تيزي وزو، لكن أتصوّر أنّه تمّ اختياره لارتباط اليومية الأمازيغية بتاريخ اعتلائه عرش مصر وتأسيسه لأسرة ليبية (أمازيغة ) حكمت مصر لأزيد من قرنين من الزمن 950- 730 ق.م.

ليبيرتي: ألا يمكن نحت شيشنق في هيئة قائد أمازيغي، كون هذا الجانب من شخصيته هو الذي يربطه بنا ؟

محمد الهادي حارش: لا، لا أرى ذلك، ما يربطه بنا هو أصوله، لا اعتباره قائدا، لأن الفكرة الشائعة عن انتصاره على رمسيس الثاني أو رمسيس الثالث، فكرة خاطئة، فلم يكن يُعاصر الرعامسة، الذين عاشوا في القرنين الثالث عشر- الثاني عشر قبل الميلاد، بينما عاش شيشنق في القرن العاشر قبل الميلاد، وما يربطه بنا هو أصوله، و أي تغيير في ملامحه أو ملابسه يعتبر تحريفا في رأيي، و نعرف أن ارتباط شيشنق بالتقويم الأمازيغي مسألة رمزية باتخاذ سنة اعتلائه عرش مصر و تأسيس الأسرة الثانية و العشرين سنة 950 بداية للتقويم الأمازيغي.

ليبيرتي: حتى في تيزي وزو، هناك من يرى أنّه ملك فرعوني بعيد عن تمثيل تاريخ المنطقة وهويتها، ما هي المقاييس المعتمدة لتحديد مواقع هذه التماثيل ؟

محمد الهادي حارش: في الواقع، في الجزائر قلّما نجد شيئا في موضعه، نقول « الرجل المناسب في المكان المناسب» كشعار لا غير، أوّلا لا هيئات استشارية فعلية موجودة، و إن وضعناها فهي شكلية، أو نضع بها أشخاصا لا دور ولا رأي لهم!
أريد القول لا مقاييس لوضع الأشخاص في المناصب، و لا هم يستشرون، هذا بصفة عامة، أمّا في حالة تيزي وزو، فلا شك أنّ المجلس الولائي و كذا المجلس البلدي لتيزي وزو، قد اجتمع لأن إقرار الميزانية لأي مشروع لابد من مداولة، وربما هناك لجنة حددت موقع إقامة هذا التمثال، بناء على مقاييس معينة، لكن لا أخوّل لنفسي الحديث في موضوع غير معني به.

ليبيرتي: هل تعتقدون أنّ تجسيد البعد الأمازيغي للهوية الوطنية، يواجه مقاومة على أعلى المستوى السياسي، أم الجدل الذي يثيره ملف الأمايغية منذ سنوات طبيعي وسيزول مع مرور الوقت ؟

محمد الهادي حارش: في الواقع ” تجسيد البعد الأمازيغي” للهوية الوطنية، قد واجه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، معارضة سياسية شرسة، على أعلى مستويات الدولة، التي جنّدت لذلك كل إمكانياتها، وكانت السلطة تراهن على الوقت و المدرسة و وسائل الإعلام، و المركزية الإدارية، لتقضي على مشكل الأمازيغية، وتتحكّم في الأمر لاحقا، وقد حاولت حصر الأمر في منطقة القبائل، مع محاولة تأليب بعض المناطق الناطقة بالأمازيغية، ذات الثُقل مثل الأوراس، ومحاولة خلق العداء بينهما،مع العمل على عزل مناطق أخرى، و إشعارها بأنّها غير معنية بمشكل الهوية، وهي لا تقل ثُقلًا عن الأوراس وجرجرة.
كان الضغط المسلّط على هذه المنطقة، وكل من يحمل ” الهوية الأمازيغية ” في قلبه كبيرا، كالإبعاد من المناصب العليا، والمتابعات البوليسية، فبدأت تظهر حركات الوعي بالذات الأمازيغية في مختلف مناطق الوطن، وشعور الجميع بأنّهم مهددون في هويتهم و في لغتهم وبالتالي في وجودهم، فانخرط الكثير من أمازيغ المناطق الأخرى، بشكل أو آخر في الحركة.
إذا كان الاعتراف باللغة الأمازيغية لغة وطنية في دستور ،2002 ثم لغة وطنية وشبه رسمية في دستور 2016، قد خفّف من الأزمة، لكن ما نتمناه هو أن يشعر كل الجزائريين بالانتماء الواحد، أو على الأقل الاعتراف بالتعدّد والاختلاف كآية من آيات اللّه، ونتعايش ونعتبر كل رموز الجزائر، رموزا مشتركة، لأن في غير ذلك انتحار.

ليبيرتي: الكثير من الباحثين و الشخصيات العمومية، اختصوا في إنكار كل ما يمثل الأمازيغية من أحداث تاريخية وشخصيات و تراث ثقافي…، هل هي أمازيغو-فوبيا، ككل مظاهر الفوبيا، التي تعيشها عدّة مجتمعات، أم أنّ هذا النقاش لم يتجاوز القواعد العلمية ؟

محمد الهادي حارش: أبدأ من حيث أنهيتَ السؤال، لو كان النقاش نقاشا علميا، لقلنا نحن بخير، وإنّما هو مرض في النفوس، أن يتنكّر الآخر لوجودك و لوجود لغة أمك، و أنت أمامه حي ترزق، هل هناك مرض نفسي أكبر من هذا ؟
أنا لا أتصور شخصا واعيا بما يترتب عن موقفه، ويفكر بهذا التفكير، لأنّه بالمقابل يجب أن يتصوّر رد فعل مماثل من الطرف الآخر، وبالتالي يجب أن يتصوّر النتيجة، لأن الأمر طال ولن يستمر إلى ما لانهاية، ونحن الآن في القرن الواحد والعشرين، وهناك أوجه جديدة للاستعمار، وإمكانيات التحكم و التدمير من الداخل، فالظاهرة أسميتها أنا ” المازوخية ” وهي ظاهرة التلذّذ بتدمير الذات.

ليبيرتي: هناك إشكالية أخرى تثير ملف الأمازيغية عند المواطن البسيط، و أحيانا النخبة أيضا منخرطة في ذلك، ما هي الإضافة التي يقدمها لنا الاهتمام بتاريخنا القديم ؟

محمد الهادي حارش: هنا « مربط الفرس » ، ما هي الإضافة التي يقدمها لنا التاريخ القديم، و الآخر يقول ما هي الإضافة التي يقدمها التاريخ الإسلامي ثم التاريخ الحديث والمعاصر؟
إذا كانت اللغة هي حياة الأمة، تفقد الأمة حياتها بفقدانها، فإنّ التاريخ هو” شعور الأمة و ذاكرتها”، فقدانه هو فقدان للذاكرة، ومن لا ذاكرة له، فلا وجود له.
إحدى العوامل التي تؤدي إلى الرقي و التطور هو الشعور بالذات و الاعتزاز بها و بما يميّزك عن الآخر، و الحماس لخدمته وصيانته، ليكون ركيزة لك ترتكز عليها، لتخطو خطوات إلى الأمام، بغير ذلك، فأنت تخدم في الآخر، وبلا عزيمة ولا روح، وقد كتب الأديب أمين الزاوي يقول:

« قبل خمسين  سنة من يا ترى كان يتصور بأن العبرية التي هي لغة لاهوتية حاخامية ستصبح لغة بحوث الذرة والتكنولوجية العالية الدقة والآداب العالمية الكبرى. خمسون  سنة تجربة التعريب في الجزائر، ولم ننتج طبيبا يستطيع أن يكتب وصفة وصفة دواء بالعربية . أعطوا لمرة واحدة الفرصة المؤسساتية للغة الأمازيغية بتعميمها وإجباريتها في التعليم في كافة المدارس الجزائرية بعد اثنتا عشر (12) سنة على الأكثر بهذا التجنيد السياسي الوطني، وبهذا الوعي الهوياتي، سنرى أبناء تامزغة يقدمون محاضرات جامعية في الفيزياء النووية و في الطب و سيبدعون أجمل النصوص الأدبية باللغة الأم الأمازيغية، لينطلق التحدي التاريخي إذن !! » .

 

هذا النص يحمل معاني كثيرة، وعبر لمن يعتبر، فإنّ الوعي بالهوية، له دور هام في رفع التحدي والإبداع، فإذا كنّا مازلنا نستورد القواميس و المعاجم من لبنان و غيرها بمختلف الأحجام باللغة العربية بعد ستين سنة من الاستقلال، فإنّنا نجد العديد من المعاجم و القواميس بمختلف المتغيرات الأمازيغية تنشر سنويا، و العديد من الأبحاث و الكتب في الرياضيات و الفيزياء تنشر بدون إمكانيات و بحماس منقطع النظير، و بإرادة كبيرة تتحدى كل الصعاب و بإمكانيات منعدمة، باستثناء الإرادة، و حب ما يقومون به، حتى لا أقول عشق ما يقومون به حتى النخاع، وهي المرحلة الموصلة للإبداع. الإرادة تتحدى الصعاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى