أقلام حرّة

تريدون قتل الدارجة ؟ اقتلوها بالصحة والراحة !

اللغة الأمازيغية Tutlayt Tamaziɣt هي اللغة الأصلية لسكان المغرب، وهي حاليا لغة أمّ شعبية لحوالي ثلث أو ربع المغاربة. ولكن اللغة الأمازيغية توجد حاليا في حالة تناقص وانكماش مستمر ومتسارع بسبب سياسة التعريب والفرنسة التي تنهجها الدولة منذ 1912 وبسبب إهمال المغاربة للغتهم الأمازيغية وتهربهم من الكتابة بها لأسباب تتراوح بين التكاسل إلى عقدة النقص والعار وبينهما قلة الهمة وقلة الخيال.

أما اللغة الدارجة فقد تطورت بتأثير أمازيغي في المغرب وبقية العالم الأمازيغي على أساس لهجات عربية بدوية وافدة كان يتكلمها عرب لاجئون أو مهاجرون وافدون إلى المغرب وبقية بلاد الأمازيغ.

اختلطت تلك اللهجات العربية الوافدة على المغرب مع الأمازيغية وبدأ هؤلاء العرب الوافدون يغيرون طريقة نطقهم ويبتلعون الكلمات والتعابير والأساليب الأمازيغية متأثرين بالمحيط الأمازيغي. وزيادة على ذلك بدأ بعض الأمازيغ المحليين يتكلمون تلك اللهجات العربية لـ”تحسين وتجويد إسلامهم” أو لأغراض سياسية فطبعوا هذا اللهجات العربية التي تبنوها بطابعهم الأمازيغي الذي فشلوا في إخفائه.

وبدمج لهجات العرب الوافدين التي تمزّغت جزئيا مع عربية الأمازيغ المستعربين المهلوكة ولدت لغة شعبية هجينة خليطة ومتكاملة نسميها الآن: اللغة الدارجة، وتسمّى غالبا في الوسط الشعبي “لعربيا”.

وتجدر الإشارة إلى أنه توجد مخطوطات أمازيغية زناتية إباضية قديمة (تسمى “كتاب البربرية”) تثبت بشكل مؤكد أن الأمازيغ القدامى كانوا يطلقون على “اللغة العربية” اسم: Taserɣint تاسرغينت.

حاليا يتحدث حوالي ثلثي أو ثلاثة أرباع المغاربة اللغة الدارجة كلغة أمّ بلهجاتها المتعددة (الدكالية، المراكشية، الشرقية، الجبلية، الحسانية).

والناطقون بالدارجة حاليا كلغة أمّ هم في غالبيتهم أمازيغ مستعربون بجانب نسبة من المغاربة المنحدرين من مهاجرين عرب ويهود وأندلسيين وأفارقة جنوب الصحراء من قبائل Bambara وقبائل Mandé الذين استقدموا إلى المغرب من بلاد مالي كعبيد، وغيرهم من الأقليات. وأغلب سكان سهول الغرب والساحل الأطلسي مثل مدن Sla و Anfa و Asfi و Maziɣen (مدينة الجديدة) و Azemmur و Fḍala ليسوا سوى أمازيغ مستعربين حاليا كان أجدادهم قديما يشكلون سكان دولة برغواطة أو Tamesna الأمازيغية التي كان نصفها يتبع الديانة البرغواطية ونصفها الآخر يتبع الإسلام الخوارجي.

الشيء الطبيعي هو أن يكتب ويدرس الشعب بلغته الشعبية (أو لغاته الشعبية). وهذا ما نجده في سويسرا وأمريكا وبريطانيا واليابان وألمانيا وإيطاليا وفرنسا والنرويج وهولندا وبلجيكا وفنلندا وكاطالونيا. واللغة الشعبية حينما تدرّس بكثافة فإن جودتها ترتفع فتصبح لغة قوية سائلة جارية على الألسن والجرائد والتلفزة فيحدث نوع من الاتحاد بين لغة البيت والشارع والتلفزة والمدرسة والبرلمان فتصبح كلها لغة واحدة لا تختلف إلا بنوعية المصطلحات والأساليب حسب السياق. وفلسفة الكاتبين باللغة الشعبية في تلك البلدان الديمقراطية المتقدمة هي باختصار: نحن نكتب اللغة الشعبية التي يقولها الناس ويفهمها الناس. فقط.

أما في المغرب فلغة البيت والشارع (الأمازيغية والدارجة) شيء، ولغة المدرسة والبرلمان والحكومة والتلفزة والجرائد (العربية والفرنسية) شيء آخر.

لا أحد في أمريكا أو سويسرا أو هولندا أو بلجيكا أو إيطاليا يمنع أحدا من إقحام كلمات أو أساليب شعبية في اللغة الشعبية المكتوبة أو التلفزية، فهؤلاء يتركون لغتهم الشعبية تتطور بشكل طبيعي في المجتمع، وللجميع الحق في الكتابة والكلام بأسلوبه المفضل ولهجته المفضلة.

والطفل الإيطالي أو السويسري أو البلجيكي أو الهولندي أو الألماني يذهب إلى المدرسة ليتعلم أولا كيفية قراءة وكتابة لغته الأم التي يتحدثها في البيت والشارع وكيفية الحساب بها وليس لتعلم لغة جديدة، عكس الطفل المغربي المسكين الذي يعاملونه منذ اليوم الأول في المدرسة كأجنبي معتوه أبكم معدوم اللغة ولا يعرف الكلام، فيلقنونه ويلقمونه العربية الفصحى والفرنسية وكأنه من قبيلة قريش أو من مدينة Paris.

وبدل تلقين الطفل المغربي كيف يحسن القراءة والكتابة والحساب بلغته الأم الأمازيغية والدارجة وكيف يكون مؤدبا ومهذبا بلغته الأم الأمازيغية والدارجة يلقنونه سخافات قصائد قريش والمتنبي ورثاء فلسطين والأندلس وكتابة العربية الفصحى التي لا علاقة لها بحياته، وكأنه سعودي أو أموي أو عباسي، ويلقنونه سخافات L’oral الفرنسي وكأنه مواطن فرنسي يعيش في فرنسا. يا لها من مهزلة بل فضيحة بل جريمة!

هذا هو أقوى سبب لفشل التعليم بالمغرب فشلا ذريعا. فالخلل لغوي بالدرجة الأولى. التلميذ المغربي يتعلم اللغات الغلط بالترتيب الغلط وبالأولويات الغلط. ولغته الأم الأمازيغية والدارجة ممنوعة في القسم وكأنها بضاعة مهربة trabandu ولا يسمح له بالحديث بها بحرية إلا في فترة الاستراحة حيث يستعيد الطفل طبيعته. وهكذا يتربى الطفل والشاب المغربي معاقا لغويا لا يعرف كيف يفكر ويناقش ويبدع بلغته الأم.

إذا لم تُعَلِّم المَدْرَسَةُ التلميذَ المغربي كيف يكون مهذبا ومؤدبا ومفكرا بلغته الأم الأمازيغية والدارجة فالزنقة ستحتكر “تدريسه” بالأمازيغية والدارجة وستلقنه كل الغباوات والحقارات والنذالات وتاحراميات بفعالية رهيبة (لأن اللغة الأم هي أقوى وسيلة تربوية) فيتخرج المراهق والشاب المغربي بدبلوم “شمكار / سلگوط / Amcum / أمشوم / Aɣyul” من أكاديمية الزنقة على يد كوكبة من كبار البروفيسورات الشماكرية المتخصصين في مجال أبحاث تاشمكارت والتشرميل والتكلاخ.

عندما تنسحب المدرسة المغربية من مجال تربية وتثقيف الطفل والمراهق بلغته الأم الأمازيغية والدارجة فإن كبار الشماكرية والشلاهبية والزنقاوية سيملأون الفراغ وسيقومون بالواجب باستعمال اللغة الأم الأمازيغية والدارجة.

هل تساءلتم يوما لماذا المراهق والشاب المغربي لا يعرف كيف يكون مؤدبا ومهذبا ومفكرا بلغته الأمازيغية والدارجة؟ لأنه لم يتعلم ذلك في المدرسة، فاللغة الأم الأمازيغية والدارجة محرمة ممنوعة ومحارَبة من طرف جحافل التعريبيين والإسلاميين، والمقررات المدرسية المغربية خربانة لغة وشكلا ومضمونا. وإذا شغل الطفل والشاب المغربي التلفزة واليوتيوب فلن يجد بالأمازيغية والدارجة إلا برامج وفيديوهات taɣyuli ونهيق الحمير وصراع البغال والسكيتشات البدوية منخفضة معامل الذكاء Low IQ والتهريج الفج والمسلسلات المروكية البدوية المكلخة.

لا يوجد شيء ممتع ولا ذكي ولا راق باللغة الأمازيغية والدارجة على التلفزة للطفل والشاب المغربي. حتى الرسوم المتحركة تفرضها عليه الدولة المغربية بالعربية الفصحى والفرنسية. الأفلام الأمريكية الممتعة مفروضة عليه بالدبلجة الفرنسية بينما العالم المتحضر يدبلجها ويترجمها إلى اللغة المحلية.

برامج وثائقية علمية ممتعة مدبلجة بالأمازيغية والدارجة؟! لا لا لا، حشومة! حرام! مؤامرة صهيونية!

ممنوع على الطفل والشاب المغربي أن يتعلم أو يشاهد شيئا ممتعا أو جيدا أو راقيا أو نافعا بلغته الأمازيغية والدارجة. لا لا لا. الأمازيغية والدارجة هي لغة السّبّان و”سرّح يدّك” و”سكت آ لحمار” و A tecced yemma-c والكاميرا الخفية الحامضة والتهريج البدوي والشطيح والرديح الفولكلوري السمج.

ممنوع على الطفل والشاب المغربي أن يطبّع normalize علاقته مع لغته الأم الأمازيغية والدارجة في الكتاب المدرسي والرسوم المتحركة والأفلام المسلية والقصص المصورة والألعاب التربوية والتثقيفية الممتعة والأناشيد التربوية الملحنة بالأمازيغية والدارجة. لا لا لا. إنها مؤامرة صهيونية فرنكوفونية تستهدف العربية والعروبة والإسلام! لن نسمح للطفل والشاب المغربي أن يكون مثل نظيره الألماني والأمريكي والهولندي والسويسري والياباني والروسي والإيطالي!

سنقمع ونخنق ونطفئ اللغة الأمازيغية والدارجة في عقل الطفل والشاب المغربي وسنحوله إلى ماكينة صماء لحفظ واستظهار القصائد والآيات العربية ونصوص L’oral الفرنسية والأناشيد الفرنسية!

إذن هذه هي المهزلة اللغوية والتعليمية الدائرة بالمغرب حاليا.

من حيث المبدإ، لا بأس في أن يكتب ويتعلم التلميذ والطالب المغربي لغات أجنبية أو أدبية غير شعبية كالعربية الفصحى أو الإنجليزية لأغراض علمية أو تجارية أو دينية كلغات إضافية بجانب لغته الشعبية (الأمازيغية والدارجة). ولكن أن يقوم جزء ضخم من الشعب المغربي بالمطالبة بمنع وإبادة لغته الشعبية فداء وإكراما للغةٍ أدبية لا يتحدثها (العربية الفصحى والفرنسية) فهذا شذوذ وانحراف سببه عقدة نفسية أو أجندة دينية أيديولوجية.

المغاربة الناطقون بالأمازيغية كلغة أمّ يوجدون حاليا في بدايات طور الشفاء من كراهية الأمازيغية والشفاء من الشعور بالعار من الأمازيغية والشفاء من سلوكات إخفاء الأمازيغية والتنكر لها.

أما لدى معظم المغاربة الناطقين بالدارجة كلغة أمّ (عوامّاً ومثقفين) فإننا نلاحظ أنهم يكرهون دارجتهم بشكل عجيب ويشعرون بالعار منها بشكل مرضي ويحتقرونها بدرجة هستيرية جنونية لا أظن أنها موجودة لدى أي شعب آخر. فحتى العرب الحقيقيون في السعودية والمستعربون في سوريا والعراق ومصر ولبنان أكثر رحمة بلهجاتهم أو لغاتهم العربية العامية الدارجة، ولا أظن أنهم يكرهون ويحاربون دارجاتهم وعامياتهم بمثل الهستيريا المسعورة التي نلاحظها في المغرب والجزائر وتونس ضد الدارجة.

فما هي أسباب كراهية واحتقار غالبية المغاربة الناطقين بالدارجة للغتهم الدارجة؟

– السبب الديني الإسلامي: وهو أن المغاربة المسلمين المتدينين يعتبرون الدارجة منافسا خطيرا وبديلا يهدد العربية الفصحى التي هي لغة القرآن والتي لا تصح الصلاة الإسلامية إلا بها. (الصلاة بالدارجة أو بالأمازيغية باطلة غير جائزة حسب فقهاء الإسلام). كارهو ومحتقرو الدارجة يعتبرون كتابة الدارجة خيانة للغة القرآن والإسلام ويخافون من ابتعاد الناس عن الإسلام وارتدادهم عنه إذا أقبلوا على قراءة وكتابة الدارجة (والأمازيغية).

– السبب القومي العربي: وهو أن المغاربة القوميين العرب يحملون مشروع “عالم عربي واحد بلغة عربية واحدة ودين إسلامي واحد”. ويخافون من انهيار مشروعهم العربي بسبب التعدد اللغوي أو تشظي العربية إلى لغات متعددة فلا يريدون أن تكون هناك “لغات عربية متعددة” على التصنيف العالمي. كما أن واحدا من كوابيس القوميين العرب هي أن تكون هناك لغة عربية دارجة مغربية إعلامية مكتوبة لا يفهمها المصريون والسعوديون والسوريون. وقد عبر المفكر المغربي عبد الله العروي يوما عن هذه المخاوف على شاشة تلفزة 2M عندما عبر عن هاجسه بأن الأدب المغربي المكتوب بالدارجة لن يفهمه المصريون (وكأن مصير المغرب يدور حول مصر والعرب).

– السبب السايكولوجي (النفساني) الاستعرابي: وهو أن المغاربة التعريبيين الذين يؤمنون بأنهم عرب ويعتبرون المغرب عربيا يبذلون جهدا خارقا لإثبات عروبتهم للسعوديين والسوريين والمصريين والفلسطينيين ولنفي أمازيغيتهم أو أمازيغية المغرب. وبما أن العرب الحقيقيين في السعودية والمستعربين في مصر والشام والعراق لا يفهمون الدارجة المغربية (بسبب نطقها الأمازيغي وجزء من كلماتها وأساليبها الأمازيغية، أي لأنها لغة مختلفة) فإن التعريبيين المغاربة يعمدون إلى محاولة إبادة الدارجة ومنع تطورها كلغة مكتوبة لكي لا تفصلهم عن العرب الحقيقيين في آسيا. فأي شيء مغربي لا يفهمه العرب الحقيقيون في آسيا أو لا يرضون عنه يصبح العدو رقم 1 للتعريبيين المغاربة ويعتبرونه جزءا من المخطط الصهيوني الفرنكوفوني ضد العرب والعربية والإسلام. والحالة المثالية لهؤلاء المغاربة التعريبيين هي إبادة الدارجة أو تحويرها و”تنظيفها” لتكون أقرب ما أمكن إلى العربية الفصحى أو إلى العربيات المصرية والشامية والسعودية واليمنية مع حصر الكتابة والتعليم في العربية الفصحى لوحدها.

أنا لا أحاول أن أقول للناطقين باللغة الدارجة كلغة أمّ ما يجب عليهم أن يفعلوه أو لا يفعلوه بلغتهم الدارجة، فهم أدرى بها ولهم الحق في كتابتها أو إهمالها أو احتقارها أو السخرية منها أو مطاردة كلماتها وإزالتها من المجال المدرسي والعمومي مثلما يطارد المرء “سرّاق الزيت” بمبيد “فليت” Flit في كل غرف بيته ولا يرتاح حتى يبيد قبيلة “سرّاق الزيت” عن آخرها. من حق الناطقين بالدارجة أن يطاردوها أو يقتلوها أو يعرّبوها أو يجعلوها نسخة من المصرية أو السورية أو أن يتركوها على حالتها كلغة “ديال لهضرا فدّروج و قضيان لحاجا”.

خلاصة القول: أهل اللغة الدارجة أدرى بها ولهم الحق الديمقراطي في أن يعملوا فيها ما يشاءون. ولكن لا يحقّ لهم محاولة تطبيق ما يريدونه للدارجة على الأمازيغية ولا يحق لهم إسقاط مشاكلهم مع الدارجة على الأمازيغية. ما الذي أقصده بهذا؟

هناك بعض المثقفين المحاربين للدارجة أو المعارضين لكتابتها أو المحاربين لوجود بعض كلماتها ضمن دروس اللغة العربية الفصحى الذين يحاولون تمرير مزاعم ومغالطات خطيرة وهي أن: “الدارجة هي مجرد مستوى شعبي للعربية الفصحى مثلما أن لهجات الأمازيغية هي مجرد مستوى شعبي للأمازيغية المعيارية، لذلك يجب الحفاظ على العربية الفصحى نقية طاهرة لا تتوسخ بالعامية الفاقدة للقواعد مثلما أن الأمازيغية المعيارية نقية طاهرة لا تتوسخ باللهجات الأمازيغية العامية”.

وهذا هو الرد على هذا المزاعم والمغالطات الخطيرة:

– أولا: لا يوجد شيء اسمه “اللغة الأمازيغية المعيارية” أو “اللغة الأمازيغية الفصحى”. “اللغة الأمازيغية المعيارية” أو “اللغة الأمازيغية الفصحى” أكذوبة وأوهام. الحقيقة هي أن هناك فقط: اللغة الأمازيغية. اللغة الأمازيغية هي مجموع لهجاتها الشعبية. لا وجود لأمازيغية فصحى ولا معيارية. فحالة العربية الفصحى والعاميات والدارجات مختلفة عن حالة الأمازيغية. من لا يفهم هذا فإنه لا يفهم شيئا عن اللغة الأمازيغية.

– ثانيا: اللغة الدارجة المغربية لها لهجاتها الشعبية الخاصة بها وهي الدكالية والجبلية والشرقية والمراكشية، وحتى الحسانية نستطيع اعتبارها من لهجات الدارجة، وهناك من يعتبر الحسانية لغة مستقلة.

– ثالثا: من يزعم أن الدارجة لغة أو لهجة فوضوية لا تملك قواعد نحوية وصرفية ذاتية فهو إما جاهل أو مغالط. الحقيقة هي أن الدارجة تملك قواعدها الطبيعية المنطقية النحوية والصرفية الكاملة المتكاملة والمستقلة عن قواعد اللغة الأمازيغية وقواعد اللغة العربية الفصحى. اللغة الدارجة تملك كل مقومات اللغة الكاملة مثل الأمازيغية ومثل العربية الفصحى.

– رابعا: إذا كان هناك من يعتبر أن الدارجة والعربية الفصحى شيء واحد ولغة واحدة فذلك الرأي من حقه طبعا، ولكن يجب عليه (كي يكون منسجما مع نفسه وأقواله) أن يقبل بخلط كلمات وأساليب الدارجة والعربية الفصحى في نفس الكتاب المدرسي وفي الصحافة والتلفزة ونشرة الأخبار لتكون هناك “عربية مغربية” غنية وموسعة وخليطة من الدارجة والعربية الفصحى.

– خامسا: إذا كان هناك من يعتبر أن الدارجة يجب أن تبقى منفصلة عن العربية الفصحى للحفاظ على نقاوة وطهارة وقدسية العربية الفصحى فهو يعترف أتوماتيكيا بأن اللغة الدارجة لغة مستقلة قائمة بذاتها غير قابلة للخلط مع العربية الفصحى. وهنا نطرح عليه السؤال: إذا كانت الدارجة لغة/لهجة مختلفة أو منفصلة فلماذا تريد قتلها ومنعها من التنفس والكتابة والاستخدام؟! فلا أنت تقبل بالدارجة مدمجة في مقرر العربية الفصحى ونشرة الأخبار، ولا أنت تترك الدارجة لتعيش وتكون لغة مكتوبة مستقلة تدبر شؤونها بشكل مستقل وتدرس في المدارس وتكون لها نشرة أخبار أو قناة تلفزية منفصلة خاصة بها!

كخلاصة: محاربو الدارجة (التعريبيون والإسلاميون) بفكرهم الاستبدادي يجمعون بين 3 متناقضات قاتلة:

– يريدون ضم الدارجة إلى “مملكة العربية” و”رصيد العربية” للمباهاة بانتشار العربية.

– فجأة يتنكرون لعروبة الدارجة وشرعيتها فيرفضون كتابة الدارجة مع العربية الفصحى في نفس الكتاب أو نفس التلفزة، ومبررهم هو أنهم يريدون حماية نقاوة وطهارة العربية الفصحى الإسلامية القرآنية من أوساخ الدارجة العامية السوقية.

– وزيادة على ذلك يريدون منع الدارجة من أن تكون لغة مكتوبة مستقلة بذاتها حمايةً لهيمنة العربية الفصحى وخوفا من ردة المغاربة عن الإسلام الذي لا تصح الصلوات الخمس فيه إلا بالعربية الفصحى.

يعني باختصار التعريبيون والإسلاميون يريدون: 1- امتلاك الدارجة. 2- وضع الدارجة في قفص لكي لا تتوسخ العربية الفصحى. 3- منع الدارجة من الخروج من القفص لكي لا تتغول وتتقوى وتشكل خطرا على هيمنة العربية الفصحى.

هذا هو الفكر الاستبدادي الإبادي (من الإبادة) بحذافيره الذي طبقه التعريبيون والإسلاميون مع الأمازيغية واليوم يطبقونه مع الدارجة.

ولتدعيم فكرهم الاستبدادي الإبادي ولتأليب الناس ضد الدارجة يستنجد التعريبيون والإسلاميون بنظرية المؤامرة التي مفادها أن الدارجة مشروع فرنكوفوني تدعمه فرنسا والفرنكوفونيون المغاربة. وهذه النظرية المؤامراتية الفرنكوفونية هي التي استخدموها وما زالوا يستخدمونها بحذافيرها ضد الأمازيغية. أما الحقيقة فهي أن الفرنسية هي سلفا (already) لغة رسمية كاملة للدولة المغربية تنشرها الدولة الآن يوميا في كل مكان وبالحرف اللاتيني من طنجة Ṭanja إلى لكويرة Legwira. وهذه الحالة اللغوية الراهنة بالمغرب (الأمازيغية والدارجة المشلولتان والعربية المترهلة العاجزة) هي سمن على عسل بالنسبة للفرنسية. وقد فشلت العربية الفصحى فشلا ذريعا في التفوق على الفرنسية وإزاحتها من المغرب منذ 1956 رغم الدعم الضخم بملايير الدرهم الذي قدمته الدولة للعربية الفصحى، وسبب ذلك هو أن العربية الفصحى لغة محصورة في الكتابة والأدبيات الخطابية والطقوس الإسلامية ولا يتكلمها أحد كلغة شعبية أم.

الخطر الحقيقي الذي يتهدد نفوذ الفرنسية في المغرب هو صعود لغة شعبية مكتوبة بالحرف اللاتيني، أي الأمازيغية أو الدارجة أو هما معا.

على مستوى المجتمع وجماهير الشعب، فإن الفكر المضاد للغة الدارجة قوي جدا بل هو طاغ لأن أغلب الشعب المغربي يعتبر كتابة وتدريس الدارجة كلغة مستقلة أو مع العربية الفصحى خيانة للإسلام وخيانة للغة الإسلام وخطرا يهدد الإسلام بالانقراض (لأن الصلوات الإسلامية لا تصح إلا بالعربية الفصحى ولا تجوز بالدارجة ولا بالأمازيغية ولا بالإنجليزية). إذن فالمتوقع هو أن اللغة الدارجة ستستمر في حالة الشفوية وعدم التدريس لأن الفيتو الإسلامي والتعريبي ضدها مقبول شعبيا بشكل عارم على ما أظن.

والشيء الطريف في الأمر كله هو أن طغيان الشفوية على الدارجة وانعدام كتابتها وعدم اعتبارها لغة مشروعة هو الذي يبخسها في عيون أهلها ويزين لهم احتقارها لأنها غير مكتوبة أليس كذلك! وهذا يفتح الباب أمام اقتحام طوفان الكلمات والجمل الفرنسية للكلام الدارجي اليومي بهذه الشناعة والبشاعة التي نلاحظها بالمغرب. فلو كانت الدارجة مكتوبة ومدرّسة في المدارس كلغة محترمة لاندثر هذا التفرنس والتفسخ الفرانكوفيلي لأن الدارجة ستكون حينئذ لغة معتبرة يعتني بها الأساتذة والكتاب والصحفيون، ولكانت لها مناعة ضد الغزو الفرنسي وضد سلوكات التفرنس الطوعي والتفسخ اللغوي. إذن فمن يزعجه الغزو الفرنسي الذي يخرب الدارجة يجب عليه أن يساند كتابة وتدريس الدارجة. ولكن لا حياة لمن تنادي.

أما اللغة الأمازيغية فإنها فوق طاقة التعريبيين والإسلاميين بسبب اختلافها الجذري عن العربية والدارجة وبسبب ثقل التاريخ الأمازيغي وثقل وزن الهوية القومية الأمازيغية.

ولكن تبقى للغة لأمازيغية تحدياتها الضخمة وعلى رأسها الحرف اللاتيني وتعديل الفصل الخامس من الدستور المغربي الذي يعامل الأمازيغية كلغة رسمية ثانوية تحتانية مؤجلة ومقيدة بقانون تنظيمي هدفه تقزيم وتأجيل الأمازيغية.

إذن فمصير اللغة الدارجة هو بيد الناطقين بها كلغة أمّ، إن شاءوا قتلوها وإن شاءوا رفعوها. مثل الأمازيغية بالضبط.

وسأنشر في الأيام القادمة قاموسا مبسطا بالدارجة لتعليم اللغة الأمازيغية للمغاربة في شكل كتاب PDF مجاني عبر الإنترنيت.

مبارك بلقاسم-المغرب

tussna@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى