الصورة للفنان : محمد بن طلحة
عن الانحراف المرجعي في آوراس:

لماذا تأخر أوراس؟!…

لعلّ إحدى أهمّ أسباب تأخّر آوراس على مستويات عديدة، هو غياب المرجعية بالأساس، مرجعية ثقافية، واقتصادية ومدنية، تعمل على توجيه سيره ودعمه والدفع بالأفراد الفاعلين فيه قدما، نحو التأسيس، بناء على قواعد صلبة وثابتة، لآوراس أكثر أصالة وازدهارا وتقدّما.

 غياب المرجعية الثقافية: إن الاعتماد على مصدر أحادي في التلقين و التحصيل العلمي و هو الثقافة العربية المتمثلة في القاهرة و دمشق (المدارس الشرقية) أو في جامع “القيروان” وبعض الزوايا العشرة مثل زاوية ، “تقرت” ، “خنقة سيدي ناجي” و زاوية “بلحمادي” ، نشأت عنه مرجعية تكاد تكون شرقية قحة على يد جملة من مثقفين الكتاب الواحد لم يكن لديهم الحظ في الاحتكار بمدارس ثقافية أخرى.

غياب المرجعية الاقتصادية:  عدم وجود مدن و حواضر كبيرة كقسنطينة التي كانت آهلة بالأسواق المتعددة العروض ويقصدها كل أصناف التجار من كل فج، و ضعف و محدودية النشاط التجاري .كذا واختلاط العنصر المستلب المستعمـر و الأعيـان و أصحاب القرار في العمق الأوراسي و تأثيره بقوة على الحياة الثقافية بالأوراس. إضافة إلى ذلك  العزلة الجغرافية للمنطقة عكس المناطق الساحلية التي كان سكانها كثيري الاحتكاك بالعنصر الأوروبي ما شكل لديهم نافذة عما يجري في العالم من تطور. ناهيك عن طبيعة الإنسان الأوراسي الميالة إلى الانطواء و عدم الاحتكاك مع مجتمعات غريبة عنه.

غياب المرجعية المدنية: ويمكن اختصارها في الآتي:
غياب التنسيق بين النشاط الاقتصادي و النشاط الثقافي كالصحافة ، الصناعات و الاحتفالات التقليدية، الخدمات السياحية أي إهمال الجوانب التي تعمل و تساعد على تسويق الثقافة و المنتوج الثقافي المادي و المعنوي.
غياب أثرياء مثقفين واعين لأن العامل الفعال في إمكانية جعل الثقافة الأمازيغية بالأوراس قادرة على الإقلاع هو وجود أثرياء ذو نفوذ مثقفين و أعوان و عازمون على سد الحلقات الاقتصادية المفقودة في السلسلة التي تحرك دواليب الثقافة.

شوائب منهجية تعيق ترقية الأمازيغية بالأوراس: أو عوائق لترقية أمازيغية الأوراس:

 الخطاب الإقصائي:

تتميز الدعوة إلى أية فكرة جديدة لدى الملتقي لأول وهلة بالغرابة ، إذا كانت تتعارض أو تغاير الأفكار المتداخلة و هي أول عقبة تقف في وجه أي شخص يحاول التغيير و يصدم.

و لهذا فإن اللجوء إلى اللين و الدعوة بالحسنى (ما دخل اللين على شيء إلا زانه) ، و عدم رفض الآخر أو التصادم معه برفض كل ما له علاقة بأفكاره أو تاريخه أو ثقافته بطريقة تلمح بالحقد أو التعالي هي عوامل كفيلة بخلق أجواء تعيق السير إلى الأمام لخدمة الغرض المنشود و هي تغيير فكر الإنسان الأوراسي و إقناعه بطريقة لا تلغي عقله بل تترك له حرية الاختيار بعد تقديم الحجج و البراهين الدامغة .
إن فكرة إقصاء الآخر تمثل جزاءا من المستنقع الكدر الذي تتنامى فيه الأحقاد و الكراهية و هي مشاعر إذا تمكنت من وجدان أي بشر عطلت لديه ملكة التفكير و الانتباه إلى تطورت الأفكار المسبقة و الآثار النفسية الناتجة عن الانتقاد اللاذع و الأجدر هو عدم إنكار الحق و إقرار ما هو جيد و لو أستدعى الأمر تعديل أو تقويم بعض المواقف لأن الطامح إلى ترقية المجتمع الأوراسي و صياغته صياغة أمازيغية أصيلة هو أولى بشرف العمل بمنهجية أعظم معلم محمد رسول الله، الذي نقل ذهنية الأعراب من عالم إلى آخر عن طريق التدرج في الخطاب و إحرام و مراعاة ظروف الناس و عدم التصادم مع المغالين منهم ، ألم يقل رسول الله “أنزلوا الناس منازلهم”

الخطاب الإقصائي:

أسبابـه:

* التعصب : التعصب للفكر أو للعرق أو للدين لا يترك مساحات يمكن من خلالها التباري في شتى العلوم الإنسانية و هو يؤدي إلى جمود الأفكار بسبب رفض التجديد بالحوار و التأثر و التأثير بالمرونة الفكرية التي تدفع إلى التطور لأن إنعزال ابن الأوراس و انغلاقه على أفكاره من أسباب تخلفه على مسرح التغيير.

* الجهـل : إن رسالة التحرر بالعلم التي بعث بها خاتم الرسل والأنبياء هي التي فتحت للأمازيغ آفاقا جديدة تسع تراثهم الحضاري و قوتهم البشرية ليكون لهم الدور الأكبر بعد استيعابهم لمفاهيمها و فهمهم المحكم لها و بلورتها في الوعاء الثقافي الذي يعطي كيانهم الحضاري مظهرا مميزا.

* التسلـط : هناك من يبدي رأيه بـ ” قذف الكلمات ” دون إخضاعها لميزان العدل و الحكمة سواء كان هذا طبعا فطريا أو طريقة مبتدعة لنسج صورة نمطية لشخصية قوية تتميز بقوة التأثير عن طريق الترهيب و التعالي و استصغار الآخر و الاستهانة به ، و في هذا إلغاء لشخصيته و امتهان لكرامته بالمعاملة السيئة و الخشونة قولا و فعلا و هذا لا يتنافى مع مفاهيم التحرر و الإنعتاق التي يجب السعي لنشرها و تعميم فائدتها على الجميع.

 نتائجــه:

* اللغــو : تعتبر الكلمة الطيبة تذكرة مجانية إلى قلوب الغير و لها مفعولها السحري لدى الملتقي ما يجعل طريق الإقناع قصيرا و السر في تهوينها لحل العقبات هو الراحة النفسية التي يتركها مفعول الكلام الطيب ، و سهولة تمرير أفكار جديدة و استعداد الملتقي لتقبلها بعد أن تكونت لديه أفكار مسبقة أجابية عن صاحب الموضوع ، و لهذا فإن فضاضة القلب و فحص اللسان يسهل بل يعجل بانفضاض الناس حتى قبل سماع ما يراد قوله و الحكم عليه.

إلا أن قوة التغيير تعتمد على الجانب العملي كعنصر أساسي لإنشاء مشاهد جديدة مواكبة للعصر و استنباط المفيد منها من صور و عبر مع مراعاة الشروط التي تفرضها الإمكانيات و الظروف لتقليص مساحات الكلام قدر الإمكان و الانتقال مباشرة إلى مرحلة تنفيذ الأفكار بعد رسم منهجية العمل و استكشاف نتائجه في الضمائر و النفوس ، إنها جزء من تقنية التحرك الجاد بعيد عن منابر الثرثرة الجوفاء و الذي يشق طريقه في خضم معترك الحياة و لا يأمن إلا بالملموس.

* الخمـول : الكسل قدوة سيئة و لا يمكن له إقناع الآخرين بالعمل بعد أن تكونت لديهم فكرة سلبية عن الشخص المطالب بلعب دور المثال الجيد ، من الحسن أن يكون قول الإنسان جميلا و الحسن منه أن يكون فعله أجمل ليكون مثالا لمن يحيطون به دون إغفال ما يضيع من وقت و مال بسبب هذه الصفة الذميمة التي تساهم في تمييع أي مشروع أو قضية و تهديم الانجازات التي تهدف إليها و تشييد بنيانها و إعلاء صرحها للفكر أو للعرق أو للدين لا يترك مساحات يمكن من خلالها التباري في شتى الميادين.

 غياب المنهجية في الطرح و العمل: إن أي عمل صالح و مفيد للمجتمع يجب أن يبنى على ثلاثة شروط أساسية هي:

* تحديد الوسائل .
* تحديد الأهداف .
* تحديد المراحل .

و هذا ما يسهل على إختصار الطريق و اقتصاد الوقت بعدم تبديد الوقت و المال و الجهد في المحاولات المتكررة و التجارب العفيفة التي غالبا ما تميزها الارتجالية في غياب دراسة أولية و إخضاع النتائج المرحلية للتقييم و تحليل أسباب الفشل أو النجاح للاستفادة منها مستقبلا.

إن أهم ما يميز الساحة الثقافية في الأوراس هو الكلام فقط و تكراره في جميـع المناسبات ونفس المعلومات التاريخية والفنية لأن هذه السيناريوهات ذاتها
بطريقة مستهلكة لا ترضي غريزة الفضول و حب الإطلاع التي يتميز بها المجتمع المثقف خصوصا المثقف الواعي الذي لا يكل من البحث و التنقيب و لو بإعادة اكتشاف المستكشف و دراسة المدروس لعله يجد بين ثناياه ما غفل عنه السابقون عن قصد أو غير قصد.


إهمال الطرح العلمي للتراث الأوراسي :

إن التعريف بالذات هو أول ما يبادر به المتحاورون و هوية أي شخص تعرف من خلال ملامحه و خطوط شخصيته و عنصر أساسي لاستمرار الحوار الذي منه تنشأ التعاملات الفعلية ، عكس الشخصية الغربية أو المتذبذبة التي لا تشجع على مدى الجسور إليها لأنها غير مأمونة الجانب ، إنها الحالة المطابقة للصورة المعكوسة عن الثقافة بالأوراس التي تعبر عن حقيقته من عبث بالموروث النوميدي الأصيل و الوجهة الأمازيغية الحضارية.

لا نستطيع تقييم حجم هذا الموروث ما دام أغلبه غير مكتشف رغم أهمية الجزء المكتشف و المدروس منه ، و لا نستطيع بهذه الفوضوية أن نجمع أجزاء اللوحة للحصول على الصورة الكاملة للمشهد الحضاري النوميدي و استنطاقه ليخبرنا عن عظم هذه الحضارة و ريادتها في زمن ما و افتخارها بأحقيتها التاريخية .

إن حتمية البحث و الاستكشاف لا مناص منها للتعريف بماضينا و بالإنجازات التي رأت النور و بأيدي أجدادنا على هذه الأرض و لن يكون هذا إلا بأيدي أبناء المنطقة و لا ضرر إن كانت البداية بمبادرات فردية أو جماعية …الخ، و هي مهمة صعبة و لكن ليست بالمستحيلة في ظل أناس تحذوهم الرغبة الجامحة في القيام بواجبهم الاجتماعي و التخلص من عقدة انتظار الأفضل من الآخر لإنها مغالطة خطيرة إذ بدأت تنكشف حقيقتها يوما بعد يوم بإتضاح زيف بعض النظريات التاريخية و العرقية و ارتباطها بلا موضوعية أصحابها في الطرح تحت تأثير الانتماء العرقي أو السياسي.

إن التذبذب الذي تبدو عليه كينونة الأوراس الثقافية بصورة صارخة من الفوضى في المفاهيم التي يعاني منها لأن المنهجية في الطرح هي أهم سند لمصداقية التأسيس.

تغييب الواقعية في الطرح :
من الشروط التي لا بد منها لتسهيل الأمور الصعبة و تبسيطها هو إخضاعها للواقعية على أساس حسن استغلال الإمكانيات مع توفير الظروف الملائمة لتجنب الإغراق في المحاولات الحالمة التي تنتهي بصدمة الفشل ، كما ان هناك حد أدنى من الإمكانيات التي يجب توفيرها و استغلالها بحكمة لمباشرة المرحلة العملية و هي :

* الإمكانيات المالية : هي التي تدفع بالمسيرة نحو الأمام دون اللجوء إلى حلول مشبوهة أو التراجع بحجة قلة تقدير الأوضاع و الظروف أو الخضوع لمساومات جهات تسعى لتغيير المسعى لصالحها دون أي التفاتة إلى الخصوصيات الفكرية التي وضعت في ضوئها أول مرة .

* الإمكانيات البشرية : و هو صاحب الدفع المحوري في إدارة دفة الحراك و إيصال الفكرة المطلوبة بطريقة حضارية بعيدة عن التعصب أو التملق ، أما نقص التجربة أو الخبرة فهي من الأسباب التي تعطل السير بكثرة الهفوات أو الكبوات أمام المواقف المتنوعة لنقص أو انعدام الكفاءة المطلوبة .

* الإمكانيات العلمية : و هو التمتع برصيد ثقافي و سعة الإطلاع على التاريخ الذي يساعد على القراءة الجيدة للأحداث و الاستفادة منها لأن التاريخ في الحقيقة ما هو إلا سلسلة من الأحداث التي تتكرر مع الزمن حسب الظروف التي يخضع لها مع تغير في الأشخاص و الأماكن في شكل تداول على أدوار المتوفق و المتردي .

كما أن الإطاحة بثقافة التاريخ مأمن من الوقوع في فخ التعصب الذي يعتبر الوصفة المهلكة و الحمض الخارق لكل تركيبة تريد أن نتلمس لها طريق إلى الوجود من خلال إلغاء الأحداث أو تجاهل نتائجها ، لأن حركية التاريخ لم تضمن مكانة معينة لشعب ما دون غيره و إلا لما كان هناك غالب و مغلوب ، و هي سنة الله في خلقه التي تقضي بالتداول على الملك بنهاية دول و مماليك و نشوء أخرى على أنقاضها أو أجزائها المترامية ( القاعدة القرآنية للتوريث ) و لهذا فإن فرضية التفوق الذي يضمنه نقاء السلالة و صفاء العرق لجنس معين لبني البشر غير قابلة للإسكان و لهذا فإن عدم الإقرار بالاختلاف الغريزي بين الناس في اللون و اللسان و احترامه يتنافى مع معاني الحرية و مكارم الأخلاق التي يتساوى أمامها كل بني البشر .

إن من يريد أن يحيي ثقافة و يبعث حضارة عليه أن يدرك معنى الاعتماد على النفس و مباشرة الأعمال التي تعطي الثقافة الأمازيغية بالأوراس مصداقيتها .
الأوراس كله حقل عمل ، ظاهره و باطنه و الميادين التي يمكن ذكرها كلها عناوين لبرامج علمية و عملية و هي أساسية للنهوض بكل المنطقة إن أريد لها أن ترى النور و الأمثلة كثيرة لكن نذكر منها الأهم و هي : علم الآثار – التاريخ – الغابات – المغارات و الكهوف – الألسنة و اللغات – تقنيات الطباعة و البث الإعلامي.

و على أبناء لأوراس الذين يخسرون مجهوداهم في الجدال و الملسنات و يحسبونها من قبيل الانفعال أن يبدؤوا التفكير في كيفية اقتحام هذه الميادين ، بما أن لغو الصالونات أو بالأحرى ” ثقافة الصالونات ” و البيانات لا تفي بالغرض و لا ترفع الغين عن تراث الأوراس المترامي الأطراف لأن هذا النوع من الثقافة سرعان ما يتخمر بالأكاذيب التي تروج له فتصيب أصحابها بما تصيب من التخمة و الخمول و يتحولون بما أصابهم إلى عالة على مجتمعهم ثقافيا و فكريا.

و الأحرى أن توجه الطاقات الحية و بالأخص الإطارات الجامعية إلى العمل في المجالات المناسبة لثقافتهم و مصالح مجتمعهم و لا بأس إن تراشقوا بالمقالات العلمية و الأدلة المادية فالخلاف لا يفسد للود قضية .

أما الشعور بالحاجة الماسة إلى إحياء ثقافتنا النائية و ترقية التراث الأوراسي لا يكون وحده بل يجب ترجمته إلى طاقة عملية تلقي بمنتوجها المادي في صالح المنفعة العامة .

و لكن كيف لهذا السمو في التفكير و العمل أن يظهر حقيقة كثير من المنتمين إلى هذا الاتجاه ما زالوا يعتقدون و يؤمنون بأسطورة ” بورك ” لأصول أبناء الأوراس ، و كيف السبيل لدفع عربة الأوراس في معترك الألفية الثالثة بوسائل فكرية بدائية و معطوبة بمثل هذه المعتقدات كما أن الكثير من أصحاب الكفاءات العالية في ميادين متنوعة من الحقول العلمية التي يتوقف إقلاع قاطرة الأوراس على توفرها لمثل تقنيات الإعلام ، البث الإعلامي ، الصحافة ، التاريخ ، الآثار، علم الاجتماع ، علم النفس الاجتماعي و الموارد البشرية ، علم البيئة و دراسة المحيط و الهندسة النباتية و الغذائية .

لكن أصحابها أشبه بالجنود المرتزقة يجولون و يصولون بين أعلى المناصب دون هوية تميزهم أو رسالة تحرك ضمائرهم ، و هذا هو الاستلاب الخطير و التعدي لمثل هذا الافتتان لا يكون بالشعارات الحماسية بل بالعمل الدءوب و الجهد المتواصل الذي تشترك فيه عدة عناصر لبناء المجتمع الأوراسي على تقاليد الشرف و الأصالة و تنشئة الأفراد على الانضباط و الفضيلة .
نعم هناك مجموعة من المكارم التي يجب التحلي بها و هي لا تحقن كالهرمونات المقوية بل تكتسب بالممارسة و سياسة التحصيل بالصبر و النفس الطويل من رجاجة العقل كما أن هناك حد أدنى العقل و التوازن النفسي و النضج العقلي للقدرة على القيام بمهام ريادية في الميدان الثقافي .

 الكلمة التي تولد كي تعيش :
إن كل كلمة تحمل فكرة بناءة لخدمة المجتمع تعتبر كلمة طيبة بل شجرة مثمرة ستأتي أكلها إن عاجلا أو آجلا ، و كل فكرة تحمل مقترحا جديدا لسد أي حاجة من حاجيات المجتمع تعتبر بذرة طيبة و صالحة لتزيد من اخضرار أرض الأوراس و حمرة وجنات أطفاله ، و كل صرفة صريحة لم يجاورها نفاق أو رياء للحد من مفسدة أو دفع لمظلمة هي بمثابة حجر يرجم به شياطين الإنس الذين أحالوا الأوراس إلى قفر بعد أن كان جنة تنبض بالحياة و الجمال و الروعة .

و المثقف الذي يبخل بكلمة الحق على مجتمعه كالناسك الذي يرتفع عن إماطة الأذى عن الطريق و لو أن هذا الفن الراقي في السلوك يقتضي رصيدا معتبرا من المعرفة و اللباقة ، و إلا أتى كل مجهود يقام به بنتائج عكسية إذ إعتراه تحريف في المسار من جراء السلوكات المنفرة أو الأخذ بأفكار تخلوا من الواقعية و الموضوعية ، لهذا فلا جدوى من احتساب كل من يحمل شهادة عليا مثقفا كما لا يمكن الاعتماد على ثقافة من لم يسبق الإطلاع الواسع على تاريخ الأوراس وخصائصه و يحمل رصيدا معرفيا عن كل من ثقافات البحر البيض المتوسط ، و الشعوب الإفريقية المجاورة و كذلك من لا يطلع عما كتب من منتوج معاصر في شتى مجالات العلوم الإنسانية كالفلسفة ، علم الاجتماع ، علم النفس ، علم الآثار و اللسانيات ، أما الفضيلة فهي التي ستبقى المسلك اليومي لكل مثقف متمرس و دونها سيحول المشهد إلى ما يشبه نعيق الغربان .

أُوسي يحيى ڨايا

مشاركات

طالع أيضا

نحن لا نستحق البلد، ولا التاريخ!

طوال مسيرتي الدراسية، علموني أنني ابن بلد عظيم بتاريخ متنوع، بحضارة تمتد أصولها إلى مئات …

مشاركات
Share This